للاشتراك
  البريد الألكتروني
الأحزاب السياسية في الأردن
 
 
ترجمات
     
 
إيران: إستياء وفوضى*
   
التاريخ 15 - 10 - 2003
 


 مقدمة:
ادى منح جائزة نوبل للسلام الى شرين عبادي، المحامية وداعية حقوق الإنسان الشجاعة، الى تركيز الاهتمام من جديد على الانقسامات العميقة والتوترات الشديدة داخل إيران.وسوف يكون لكيفية تطور هذه الانقسامات والتوترات وما ينجم عنها، ولكيفية تحديد إيران لدورها في العالم، تاثير حاسم على عدد من قضايا الامن الكبيرة، تمتد من العراق وأفغانستان الى الصراع العربي الاسرائيلي ولمستقبل انتشار الاسلحة النووية.

على مدى الاشهر الاخيرة، زاد من حدة التفكير حول توجه الجمهورية الاسلامية الخلاف الشديد بين المحافظين والإصلاحيين، ومخاطر استقالة الرئيس المتعب ورجال البرلمان الإصلاحيين والنشاط المتصاعد لحركة الاحتجاج الطلابية. ولا ينكر احد وجود الفوضى والاهتياج، وكذلك وجود الاستياء الشعبي من النظام الحاكم. ومن غير المتوقع ان تؤدي اجراءات المؤسسة المحافظة الى حل ما اصبح ازمة شرعية. ولكن في الوقت الراهن، نجد ان صناع السياسة الدوليين بحاجة للاعتراف بان احتمال حدوث شلل داخلي اكبر من احتمال حدوث تغير جذري.

ان الاستياء الشعبي امر واضح وينمو بشكل ملحوظ منذ نشر جماعة الازمة الدولية تقريرها الاول حول إيران. وقد التق توقف حركة الاصلاح مع القيود على الحريات الاجتماعية والسياسية بحيث ادى ذلك الى انخفاض مستويات المعيشة والى تثبيط همة الكثير من الناس واستيائهم من حكامهم. وعلى الإيرانيين الانتظار لكي يفيدوا من مزايا التحسينات على الاقتصاد ونمو الناتج الاجمالي الذي طرأ مؤخرا.

والواقع انه رغم امتلاك البلد لاحتياطيات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي، يقدر الاقتصاديون الإيرانيون بان نحو 40% من السكان يعيشون دون مستوى الفقر.|

وينصب الغضب على المؤسسة المحافظة. فقد اصبح واضحا عند معظم الإيرانيين خلال مدة حكم الرئيس خاتمي التي مضى عليها ست سنوات بدون انجازات هامة، ان السلطة تكمن في نهاية الامر في ايدي القائد الاعلى آية الله خامنئي، ومجلس حراسة الثورة المؤلف من اثني عشر شخصا، ومختلف المنظمات الأمنية، وبان حجر العثرة هذا يستعصي في غالب الامر على الضغوط الداعية للاصلاح.

ويتجه الاستياء بشكل متزايد نحو الإصلاحيين انفسهم. ذلك ان الشعور بالامل الذي تلا اول انتخاب لخاتمي عام 1997، قد تلاشى، وان الشباب الإيراني الضجر قد مل الانتظار لتحقيق الالتزام بالاصلاح. وينظر الإيرانيون الى عدم فاعلية الإصلاحيين في وضع حد للمؤسسة الدينية، وعدم القدرة على معالجة الكوارث الاقتصادية للامة، وخلافاتهم الداخلية التي تعيق حركتهم. ويعتبر ضعف الاقبال على الانتخابات المحلية للبلديات –من 60% عام 1999 الى اقل من نصف هذا الرقم عام 2003- مؤشرا قويا،وادى ذلك الى اول لطمة انتخابية للاصلاحيين منذ انتخاب خاتمي رئيسا للدولة. صحيح ان الطلبة يواصلون الاحتجاجات لكنهم يظلون تحت السيطرة، ويبدي معظم السكان ترددا في تحدي الاجهزة الأمنية للدولة، لشعورهم بان النظام الحاكم لن يتردد في اللجوء الى العنف، وانه لا يوجد حاليا على الاقل بديل سياسي موثوق.

ومن المفارقة ان الثورة الإيرانية تلاقي الاذى من نجاحها والعون من قصورها. ذلك ان التضخم السكاني-70% من الإيرانيين تحت سن الثلاثين و50% تحت العشرين –وجد التشجيع من آية الله الخميني الذي دعا  الاسر الى انجاب المزيد من الابناء لزيادة نشاط المجتمع الاسلامي، لكن هؤلاء "ابناء الثورة" الذين يكافحون لدخول الجامعات والحصول على وظائف يشكلون اشد تحد للنظام الحاكم. وفي نفس الوقت، يبدو ان فشل الثورة قد حول الكثير من الإيرانيين بعيدا على النشاط السياسي المتطرف. فقد اظهرت عشرات المقابلات التي اجرتها جماعة الازمة الدولية تصاعد السخرية من العمل السياسي والابتعاد عنه والذي عبر عنه الذين اجريت معهم المقابلات من خلال النفور والارتياب بالمدعين بالعمل السياسي وبجماعات المعارضة، واعرب البعض عن الامل في ان يقدم العالم الخارجي، وبخاصة الولايات المتحدة، بعض العون لتحسين احوالهم. ان ضعف الايمان بلعبة السياسة والنفور الواضح من العنف يجعل التغيير امرا قليل الاحتمال في مواجهة نظام حكم يبدو قادرا وراغبا في اللجوء الى كلا الامرين.

في الوقت الراهن، يبدو ان التحرير الوحيد الذي يمكن ان تتقبله الجمهورية الاسلامية هو الاقتصاد. ولان المؤسسة المحافظة تدرك بان الاستياء من الاقتصاد يشكل اعظم حظر على النظام، تبدو بانها تفكر في القيام باصلاح اقتصادي تدريجي وبانفتاح اقتصادي تدريجي. غير ان الاحتمالات بعيدة المدى لهذه الاستراتيجية مشكوك فيها. ذلك انه لا يوجد شفاء بسيط لمرض سوء الادارة المزمن في المجال الاقتصادي، كما يسلم بذلك الاقتصاديون في إيران. وبالاضافة لك، وكما يقول طه هاشمي مدير تحرير صحيفة "انتخاب" اليومية، مستشار الزعيم خامنئي، "في إيران لا يمكنك الفصل بين القضايا السياسية والثقافية والاقتصادية". ولذلك فان استقرار الجمهورية الاسلامية سوف يعتمد في نهاية الامر على الاصلاح الاقتصادي وحده وانما كذلك على اصلاح سياسي وثقافي واسع. وفي الوقت الحالين يبدو ذلك مشروعا بعيدا عن رغبة او قدرة النظام الحاكم.

ان الاعتقاد السائد عند البعض بان التناقضات بعيدة المدى بين الحكم الديني والحكم الديمقراطين بين سياسات النظام الحاكم ومطالب المواطنين، يمكن حلها من خلال ثورة سياسية، هذا الاعتقاد لا تؤيده البحوث المحلية والمناقشات مع السياسيين الإيرانيين والناشطين الإيرانيين في المجال السياسي والناس العاديين. وبينما يكاد يكون من المؤكد ان التغيير قادم في إيران، فانه من المرجح سياتي ببطء ومن عملية داخلية طويلة، ومن الممكن ان تشهد المرحلة الاولى ظهور براغماتيين محافظين متلهفين الى الحفاظ على اسس النظام مع الانفتاح في نفس الوقت على الغرب من اجل تحسين الوضع الاقتصادي.

وقد اعرب بعض الإصلاحيين عن التخوف من ان يؤدي اتفاق دولي مع المؤسسة المحافظة الى اطالة مدة حكمها. ان البيئة الدولية الحالية التي تتسم بالاستقطاب تجعل التغيير الداخلي المفاجئ والحاد اقل احتمالا، وتجعل الاسلوب الحكيم المتسم بحسن التمييز من جانب المجتمع الدولي هو الاشد الحاحا. ولذلك، في معالجة بعض اهم القضايا الأمنية الحالية –وبخاصة برنامج إيران النووي وكذلك مستقبل العراق وأفغانستان- لا يمكن للولايات المتحدة ولا للشركاء الاوروبيين انتظار وصول نظام حاكم اصلاحي اكثر عقلانية. وعلى المدى القصير فان الهدفين التوأمين للغرب- الامن الاقليمي والاصلاح الإيراني الداخلي- ربما يكونان محل خلاف، ولكن لا يوجد بديل جيد للدبلوماسية الجادة الهادفة الى معالجة القضايا الأمنية الملحة حاليا وذلك بمواجهة ومعالجة جادة لمخاوف إيران الأمنية والاقتصادية.

ولا يعني هذا بان على المجتمع الدولي التخلي عن جهوده الداعية للاصلاح السياسي وللمزيد من احترام حقوق الإنسان. ان فقدان الإيرانيين ايمانهم بالإصلاحيين يعني بان مخاوف الان هي اقل مما كانت عليه في اب 2002، المخاوف من ان يؤدي النقد الخارجي القوي الى تقويض مسيرة الاصلاح باجبار مؤيديها على رص صفوفهم مع المحافظين. ذلك ان الكثير من الإيرانيين يعلقون اهمية كبيرة على المساعي الخارجية القوية للضغط على إيران حول قضايا حقوق الإنسان والاصلاح السياسي، وعلى شيرين عبادي التي نالت جائزة نوبل للسلام القيام بهذا الجهد-داخل إيران وخارجها ولكن الإيرانيين يوضحون كذلك بان الاتصالات بين الشعوب والتبادل الاقتصادي تتعارض مع ممارسات واشنطن المقيدة والمفضية الى نتاج عكسية.

2-فترة استياء

أ_جذور السخط
يكمن في عمق استياء الشعب الإيراني فشل الجمهورية الإيرانية في تلبية حاجاته الاقتصادية الاساسية فحسب التقديرات الخاصة بالحكومة، هناك حاجة لنحو 900 الف فرصة عمل جديدة ل عام لمواجهة متطلبات قوة العمل الشابة ولمنع زيادة نسبة البطالة- المقدرة رسميا بنحو 16%، والتي تزيد على 20% حسب المصادر غير الرسمية، غير ان المسؤولين في الحكومة يعترفون بانهم سيضطرون لخلق اكثر من 500 الف فرصة عمل جديدة سنويا .

ويبدو ان الاستياء يتغلغل في مخلف الفئات العمرية والاجتماعية. ففي المقابلات التي اجرتها جماعة الازمة الدولية مع الإيرانيين كبار السن الذين كانون يعارضون الشاه وشاركوا في ثورة 1979، يقارنون بين ظروف معيشتهم السيئة وتلك التي كانوا يتمتعون بها في الماضي. وبينما جلبت الثورة منافع لفئات اجتماعية معينة، لكن الإيرانيين على وجه العموم يعانون من انخفاض في مستويات معيشتهم منذ الثورة. فقد اصبح متوسط الدخل يبلغ ربع ما كان عليه خلال السبعينات. قال عامل يبلغ الرابعة والخمسين من العمر: "لم نكن ندرك ذلك في حينها، لكن الناس كانون اكثر سعادة.

كان الشاه ياخذ منا، لكنه كان ايضا يعيد الى الناس. لكن هؤلاء اخذون فقط". والكثير من الإيرانيين الذين لا يزالون يعبرون عن اعجابهم بالخميني وبالثورة يرون بان علماء الدين في إيران بدوا بعد موته عام 1989، يهتمون بمكاسبهم الشخصية. وحتى بين الطبقة الدنيا نجد ان السخط يتعاظم، ففي تعليق كرره اخرون كثيرون، قال عامل في سن الحادية والاربعين ومن قدماء المحاربين في الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988): "كنت على خط الجبهة لمدة ثلاث سنوات. كنت في كل يوم اقدم حياتي لهذا البلد. عانيت من هجمات الاسلحة الكيماوية على يدي صدم (حسين) انظر الي، علي ان اعمل كالكلب من الصباح حتى المساء،وما زلت غير قادر على تحقيق اهدافي". ومن احدى النتائج هجرة الموهوبين، فاصبحت إيران تعان من اعلى نسبة لنزوح اصحاب القدرات العقلية الحالية. قالت مهندسة مكانيكية عمرها 30 عاما لجماعة الازمة الدولية ان السبب الذي دفعها للخروج الى كندا كان ماليا في الدرجة الاولى: "بالطبع، لا احد يحب الحكومة، والقيود الاجتماعية التي نواجهها-وبخاصة النساء-تثير الغضب، ولكننا تعلمنا حيث نختال على ذلك. لا يمكن لشاب ان يكسب معيشته هنا. احمل شهادة الماجستير في الهندسة، وبراتبي لا اصل الى مستوى يمكنني من الاعتماد على نفسي في معيشتي في طهران.

ان المضاعفات السياسية للاستياء الاقتصادي اصعب من ان تقاس او تقدر. فمن ناحية، تدل الدراسات على ان حالة الاقتصاد، اكثر من أي عامل اخر، هي السبب في انفجار القلاقل من وقت لاخر وعلى مدى العقد الماضي، ومن ناحية اخرى، ونظرا للظروف الاقتصادية القاسية في البلد، فان لدى القليل من الناس الوقت او الطاقة او الامن الاقتصادي اللازم للعمل سياسيا على اساس سخطهم من الاوضاع يقول مهني في سن الثانية والثلاثين: "لقد استنفذت الحياة طاقة الناس-دفع الايجار وجلب الطعام- لا احد يجلس ويفكر في الوضع السياسي هنا وكيف يجرون طيلة النهار طلبا للمال . وليس عندهم الرفاه ولا الطاقة للتفكير في هذه الامور".

وعبر عن هذه النظرة مستخدم متقاعد من شركة النفط الوطنية الإيرانية (56) سنة، اضطر للعمل كسائق سيارة اجرة:" عليك اولا ان تملا معدتك، ثم تهتم بالديمقراطية والحرية، لا تستطيع المناداة بالديمقراطية على معدة فارغة، وانما تطالب بالخبز".

واذا كانت الهموم الاقتصادية سائدة عند الناس، فان القيود الاجتماعية الثقافية والسياسية التي تفرضها الجمهورية الاسلامية قد جلبت عداء الشباب . فالجيل الذي ولد في السبعينات والثمانينات لا يشارك في الحقد على حكم الشاه ولا في الابتهاج بالثورة. وهو يعتبر القيود التي يفرضها النظام الحاكم امرا خانقا لا مبرر له.

ب-رفض التوأمين:
بعد خمس سنوات من المحاولة غير الناجحة للعمل ضمن حدود وقيود الدستور، وفي صيف عام 2002، قدم الرئيس خاتمي مشروع قانونين يعرفان باسم "مشروع القانونين التوأمين" –لنقل مسؤوليات هامة من الزمر غير المنتخبة في الجمهورية الاسلامية الى ممثليها المنتخبين. وكان يمكن للقانونين ان يعززا بشكل هام السلطة الدستورية للرئيس بينما يجردان مجلس حراسة الثورة من قدرته على حرمان مرشحين للانتخابات من الاهلية وعلى نقض القرارات البرلمانية. وقال خاتمي في عدة مناسبات انه سيستقيل اذا رفض مجلس حراسة الثورة مشروعي القانونين: "هذان الاثنان هما المطلبان اللذان يمثلان الحد الادنى اللازم لتسيير الامور في البلد".

وقد وافق البرلمان الاصلاحين التوجه بسهولة على مشروعي القانونين في اواخر 2002، لكن مجلس حراسة الثورة رفضهما في ايار 2003. كان رد فعل الإصلاحيين غاضبا، لكنهم ظلوا منقسمين حول افضل سبل الرد. اقترح البعض اللجوء الى استفتاء شعبي واقترح اخرون عصيانا مدنيا، واخرون دعوا الى الاستقالة الجماعية من البرلمان. حتى الان لم يتم اتخاذ اجراء ما. قال محردان سرجوي من صحيفة "إيران نيوز" :"في الواقع ليس هناك الكثير الذي يمكن لمجلس (البرلمان) ان يفعله وليس لدى اعضائه السلطة للدعوة الى استفتاء، وهم يترددون في الاستقالة وترك المحافظين في السلطة.

وحسب الدستور يتم ل الخلافات بين البرلمان ومجلس حاسة الثورة في "مجلس الملائمة"، وهو مجلس من 31 عضوا يعينهم القائد الاعلى من بين التيارات الايديولوجية المختلفة في النخبة القيادية، ويرأسه حاليا الرئيس السابق هاشمي رافسنجاني، ويتمتع "مجلس الملائمة" بسلطات واسعة لتجاوز الدستور وحتى قوانين الشريعة من اجل "المحافظة على مصالح" الدولة الاسلامية. ورفض خاتمي ارسال مشروعي القانونين الى "مجلس الملائمة" بحجة ان القانونين المقترحين ليسار غير دستوريين او غير اسلاميين، وبدلا من ذلك دعا كلا من مجلس حراسة الثورة والبرلمان بحل المشكلة . وفي آب 2003، رفض مجلس حراسة الثورة ثانية مشروعي القانونين. ويواصل رئيس الجمهورية الثبات على موقفه، وتعهد في 20 أيلول بتمرير مشروعي القانونين" بطريقة او باخرى"، رغم هذا النقض ورغم الخيارات المتناقضة المتاحة له.

ورغم خيبة الامل في النتيجة، يبدو ان القليل من الإيرانيين مصابون بالدهشة من ذلك. ان الامر بالنسبة لهم هو ببساطة توكيدا للحقائق السياسية ومذكرا باهمية المسؤولين المنتخبين. ولاحساسه بخيبة الامل واسعة الانتشار، واصل الايحاء بالاستقالة، وقال في خطاب في 10 حزيران 2003 : "اذا قالت هذه الامة لا نريدكم، فسوف نذهب...هذه هي الطريقة التي يجب ان يكون عليها المجتمع". وبينما كان من الممكن لهذا الخطاب ان يحشد الدعم للرئيس المحاصر قبل سنتين، لكن الإيرانيين هذه المرة اظهروا عدم الاهتمام.

ج-الاجتجاجات بقيادة الطلبة
في 10 حزيران 2003، قام نحو 80 طالبا يقيمون في سكن جامعة طهران بالتظاهر ضد الاشاعة بتخصيص الجامعة. كانت الشرارة الاولى اقتصادية: لما كان معظم المقيمين في مساكن طلبة ياون من مدن صغيرة متواضعة، فان القليلين منهم يحتملون مصاريف التعليم الخاص . لكن المظاهرات سرعان ما اخذت منحنى سياسيا معينا. ولان ذلك اكن فرصة سانحة للتعبير عن السخط على الحكومة،قام جمع من الشباب الغاضب العاطل عن العمل، ومنهم من جاء من اسر ذات خلفية دينية قوية بالانضمام الى مظاهرات الطلبة. والواقع ان بعض اعنف المصادمات وقع في الاحياء الفقيرة بجنون طهران. وبالاضافة لذلك، قام بدخول منطقة مساكن الطلبة عدة الاف من ابناء الطبقة الوسطى بطهران، ممن تشجعوا ببث محطات التلفزيونية الإيرانية في لوس انجلز، وعلت اصواتهم تضامنا مع الطلبة.

وفي طيلة اسبوع الاضطرابات، هتف المتظاهرون بشعارات تدعو من بين امور اخرى الى "الحرية" و"الاستفتاء" وهي  صيحة شعبية متعالية عند السباب المتظاهر تعني بالمطالبة بالاستفتاء الشعبي على مسالة تغيير نظام الحكم. وصاح المزيد من المحتجين المتطرفين بعبارات ضد القائد الاعلى خامنئي وكذلك ضد آية الله الخميني، مما كان يعتبر كلاما لا يفكر باطلاقه احد في تجمعات عامة.

ورغم ان مجموع الذين شاركوا في المظاهرات كان قريبا من عشرة الاف، لكن يبدو انها شكلت تهديدا خطيرا للنظام الحاكم، كانت مليشيا الباسجي-احدى اعنف المنظمات شبه العسكرية، والمشكلة في معظمها من متطوعين شبان من المناطق الريفية او المناطق الفقيرة في المدن- المسلحة بالعصي والسلاسل، كانت تبدو متلهفة للمواجهة واستخدمت القوة بدون تردد. ووقفت شرطة الشغب على اهبة الاستعداد متسلحة ببنادق الية للتدخل في حالة خروج الاوضاع عن السيطرة،وكان التهديد الذي مثلته عاملا هاما في منع الاحتجاجات من الانتشار بشكل اوسع.

وفي احدى المرات، تصادمت الشرطة مع افراد الباسجي الذين زاد حماسهم عن الحد عند مهاجمتهم للمتظاهرين سلميا، خشية ان يؤدي هجومهم المثير للمشاعر الى تصاعد الاضطرابات. ويقال انه تم القاء القبض على نحو 4000 متظاهر.

لا بد من وضع الاحتجاجات في اطارها الصحيح. انها لم تكن امرا بسيطا نظرا للجو الامني الذي احاط بها، حيث تجمع الاف الإيرانيين خاصة وانه يمكن الافتراض بان وراء كل شخص مشارك كان هناك كثيرون اخرون في بيوتهم يتمنون لهم الخير. غير ان مظاهر يقوم بها الاف قليلة في مدينة مثل طهران التي يسكنها نحو 12 مليون نسمة، يمكن ان تمردون ان يشعر بها الناس.

وقد شهدت جماعة الازمة الدولية بان ذلك الاسبوع كان بالنسبة للغالبية العظمى من اهل طهران اسبوع عمل عادي. ورغم ان الكثيرين كانوا مهتمين بالامر، لكن القليلين فكروا في المشاركة النشطة فيه. وقد اعتقد مؤرخ إيراني بارز بان ذلك كان مؤشرا على نضج سياسي:" من الخير الا يكون لدى الناس اجابة محددة-من المؤمل ان يمنعنا ذلك من تكرار نفس الاخطاء التي وقعت قبل 25 عاما. الناس يفكرون  كثيرا...انهم لا يرون بعد حلا محددا. ولو رأوا ذلك لوجدت اربعة ملايين شخص يخرجون الى الشوارع في 9 تموز (الذكرى السنوية لاحتجاجات الطلبة عام 1999)".

د-دور تلفاز الاقمار الاصطناعية
ابرزت الاحتجاجات التي امتدت اسبوعا من الزمن تاثير محطات التلفزة التي تبث عن طريق الاقمار الاصطناعية الإيرانية من لوس انجلز. وتقول بعض التقديرات ان نحو تسعة ملايين إيراني يشاهدون البث الذي يقوم به ابناء وطنهم في المنفى في الغرب، والذي تزداد فيه الموضوعات السياسية. ولا تستهين المؤسسة المحافظة بهذا الامر، وتحذر الشباب "بالا يقعوا في شرك محطات تلفزة الشر التي اقامها الامريكيون". في الايام السابقة للتاسع من تموز 2003 الذي شهد بداية احتجاجات الطلبة، اعتلت جدران المجمعات السكنية في طهران ملصقات عليها بلاغات حكومية تأمر الناس بانزال اطباق الاقمار الاصطناعية وحذرت الذين لا يطيعون الاوامر. وقد حققت الحكومة الإيرانية بعض النجاح في منه بث المحطات "بالتشويش" على اشارات الاقمار الاصطناعية.

ومع ذلك، وبالاضافة الى تلفزيون الاقمار الاصطناعية كمصدر للتسلية، كان رد الفعل العام حول الرسائل السياسية متفاوتا فالكثير من الإيرانيين يعتبرون البث التلفزيوني من عمل "ثوريين غير عمليين" غافلين عن الاضطهاد والعنف الذي يواجهه الشبان المتظاهرون. في اثناء احتجاجات حزيران 2003، خاطبت شخصية تلفزيونية شهيرة، ضياء عتابي، الناس قائلة: "اذا لم تتصرفوا الان، فان النظام الحاكم سيبقى طويلا...انضموا الى الطلبة للاطاحة بالنظام" وعبر طالب م جامعة طهران كان يساند المتظاهرين عن رد فعل شائع بقوله، "انهم يجلسون هناك في منازلهم الانيقة في لوس انجلز ويتوقعون منا ان نقاتل نيابة عنهم. لماذا لا يرسلون ابناءهم لتحمل ضرب الباسجي؟".
واتهم اخرون المذيعين بالاثارة واختلاق قصص اخبارية وبذلك يقوضون القضية التي يتظاهرون بمساندتها. قال سعيد رضوي فقيه، زعيم طلابي: "بسبب استمرار كبح حرية الصحافة والسيطرة الكاملة على الاذاعة المحلية والتلفزة الوطنية من جانب المتشددين، تتمتع محطات تلفزة الاقمار الاصطناعية بالاحتكار باعتبارها وسيلة البرامج والمعلومات البديلة. ولكن، لا محتوى ولا طريقة تغطية الاخبار يعكس بدقة ما يحدث هنا.

3-كارثة على كلا الجانبين

الإيرانيون الذين تابعوا الاحداث السياسية يشعرون بالاسى لرفض مشروع القانونين التوأمين" وكذلك خص الطلبة المحتجون المؤسسة الدينية المحافظة باشد الكلام خشونة. ولكن ربما كان ابرز ميزة للاضطرابات الاخيرة انها اظهرت خلافا خطيرا بين حركة الرئيس خاتمي الاصلاحية وبين منظمات الطلبة التي كانت تقليديا اهم مسانديه...ففي خلال فترة رئاسته الاولى، كان الجيش الضخم من مساندي خاتمي يعزون عجزه عن تحقيق التغيير الى عناد المؤسسة المحافظة. وبينما كان القول الشائع المتكرر في شوارع طهران في الماضي يتمثل في عبارة "انهم لا يتركونه يقوم بعمله"، اصبح الناس اليوم لعجزه وقلة شجاعته او لقلة اقناعه. يقول علي رضا علوي طبار المفكر الاصلاحي والمقرب من الرئيس: "يشير بعض المستشارين عليه بان يسرع خطاه واخرون بان يبطئ السير، ويصبح لذلك غير حازم. واقول به انه بحاجة لكي يضع قدمه على دواسة البنزين".

اما مؤيدو خاتمي من الطلبة فقد تناقصوا لانهم يتحررون بشكل متزايد من الوهم بقدراته نظرا لافتقاره الى العزيمة ولفشله في الدفاع عنهم اثناء احتجاجهم. ويقال ان اضطرابات تموز 2003 كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، لان الطلبة تصرفوا بدافع الشك فيه واذعانه لادعاء المحافظين بان "عملاء اجانب" هم الذين اشعلوا نار المظاهرات. واوضح موقف الطلبة سعيد رضوي فقيه، الزعيم البارز في مكتب "تعزيز الوحدة"، وهي منظمة تدعي بان اتباعها من الطلبة يعدون 60 الفا، وتساند تقليديا اسلوب الرئيس الحذر: "لم تعد غالبية الطلبة تريد الابقاء على حوار مع النظام الحاكم كان الطلبة في الماضي يميزون بين الإصلاحيين في الحكومة الذين ساعد الطلبة على انتخابهم والذين كانوا يشاركونهم الكثير من همومهم، وبين المتشددين الذين لم ينتخبونهم والذين كانوا يصرون على الابقاء على الهيمنة على السلطة ولكن احداث الاشهر الاخيرة، وبخاصة الاسابيع القليلة الماضية [عندما تم رفض مشروع القانونين التوأمين] قد غير هذا الاتجاه بشكل كبير. فالطلبة يعتقدون بان بعض الاصلاحين الحكوميين مخلصون في التزامهم بالتغيير، لكنهم ببساطة يفتقرون الى القوة لوفاء بوعودهم، ووجودهم في الحكومة يطيل فقط حياة نظام عاجز عن الاصلاح. وتحدى الطلبة خاتمي لايقاف الهجوم عليهم او ان يستقيل ووصف سعيد رضوي فقيه ذلك بان "الفرق واخر انذار قيل قطع الصلات كافة".

ويتفق مع هذا التقويم كله دبلوماسي غربي، واصفا رد فعل خاتمي بانه "مخيب للامل"، واضاف قوله: "ان الطريقة التي يتصرف بها كرد فعل [على الاحداث] قد افقدته الكثير من الاحترام داخل وخارج البلد على حد سواء".

ويوضح توجه الطلبة ما يبدو انه تحول اوسع وابتعاد عن حركة الاصلاح باعتبارها بديل محتملا للقيادة السياسية الحالية . وبعكس ما كان عليه الحال قبل سنوات قليلة، عندما كان الجمهور يوقعون اللوم بشكل اساسي على حجر العثرة المحافظين، اصبح النقد اليوم يوجه الى الإصلاحيين انفسهم من كل من الاعداء المحافظين الحاقدين والاهم من ذلك، من الجمهور الناخب الساخط. يقول دبلوماسي اوروبي متحدثا عن الإصلاحيين: "ام اشهد قط تاييدا شعبيا يتلاشى بمثل هذه السرعة". فقد اصبح الكثير من المساندين سابقا لخاتمي يذمونه متهمين اياه بالمشاركة عن قصد او غير قصد في جريمة المؤسسة المحافظة. واشتكى احد الناس من ان "خاتمي قد خدعنا بوجهه المبتسم وكلامه المعسول. ولكن اتضح الان بانه لا يختلف عن بقيتهم وتعتقد اعداد متزايدة من مسانديه السابقين وحتى الحاليين بانه قد استنفذ قواه وبان من الافضل له ان يستقيل.

وبينما من السابق لاوانه القول بانتهاء حركة الاصلاح –او الرئيس خاتمي- لكن حالة الناس في الشارع لا تتسم بالعفو والغفران. لقد توجه الإيرانيون الى صناديق الانتخابات في ثلاث مناسبات منفصلة-لانتخاب الرئيس خاتمي مرتين وبرلمان اصلاحي- ولكن لم تبذل جهود لصالح المواطنين سوى القليل. قال عامل في سن الثانية والخمسين لجماعة الازمة الدولية: "لم يتغير شيء سوى ان الاسعار ترتفع".

هناك تفسير يقدمه البعض لهذا التحول البائس، وهو ان المحافظين قد استخدموا اساليب مراوغة في خلق الشلل والمشكلات الاقتصادية التي يمكن بعدها الصاق التهم فيها بالمحافظين. لكن المحافظين هم كذلك ضحايا قصورهم وعجزهم. وكلمة "اصلاحيين" نفسها اسم مغلوط الى حد ما، حيث انها توهم بوصف افراد لهم اجندات عمل ووجهات نظر شديدة التنوع –وهو اختلاف اضعف فاعليتهم . فمثلا، لا يوجد توافق كبير بين الوزراء الإصلاحيين، وبين قادة حركة الاصلاح الذين تعتبر الاولوية عندهم هي اكتشاف خليفة للرئيس خاتمي، وبين حركة الطلبة الناشطين.

وليس بالضرورة ان يترجم الاتفاق العريض على ضرورة "الاصلاح" الى نفس الاولويات السياسية او النظرة العالمية. ونتيجة لذلك، لم اجد اعداء المؤسسة المحافظة مواقفهم. ولم يحشدوا جهودهم حول سلسلة من الاهداف الراسخة، مثل اصلاحات النظام السياسي التي يطالب بها خاتمي. كما ان الاساليب المرتبكة لعبت دورها. يذكر بيجان خاجهبور، رئيس مجلس ادارة "عطية بهار للاستشارات" في طهران "افراط الحركة في تقدير قوتها" و"التوقعات غير الواقعية" على انهما عاملان رئيسان يكمنان خلف المصاعب المتصاعدة للحركة. وقال الكثير من المراقبين السياسيين في طهران لجماعة الازمة الدولية ان احدى اخطائها الرئيسة الاخرى كانت محاولتها تهميش وتشويه سمعة الرئيس السابق رافسنجاني، مما حوله الى خصم عنيد وفاعل. وكما يقول دبلوماسي اوروبي "لا يمكن انجاز اتفاق في هذا البلد بدون رافسنجاني".

ويورد اخرون نقدا اساسيا اخر. فهم يرون بان قرار الإصلاحيين العمل من داخل النظام انه كان عليهم عزل انفسهم عن قطاعات كبيرة من البقة السياسية، مثل الديمقراطيين العلمانيين او القوميين او الاشتراكيين، ووضع مصيرهم في ايدي "مجلس حراسة الثورة" الذي يمتلك سلطة الفيتو على المرشحين الذين يشكلون في مركزية السلطة الدينية. ويدعي اعضاء هذه الجماعات بانهم اتصلوا بالإصلاحيين لتوحيد صفوفهم ولكنهم قوبلوا بالرفض.

ومهما كانت الاسباب، نرى ان اعدادا متزايدة من الإيرانيين لم يعودوا يلتفتون ساء الى المحافظين او الإصلاحيين، معتبرين كلا الطرفين نتاجا جانبيا لنظام منهوك القوى. قال صحافي إيراني لجماعة الازمة الدولية: "الاساس غير قائم مبادئ ديمقراطية. الناس يريدون الديمقراطية".
وقد اعترف تحت الضغط الكثير من السياسيين الإصلاحيين بفشلهم في الوفاء بالتوقعات. ولكنهم ما يزالون يحثون الجمهور على مساندتهم في نضالهم. قال علي رضا علوي، وهو اكاديمي ومفكر اصلاحي بارز: "اظن من الخير والصواب بان يعمد الطلبة والشعب بشكل عام الى الاعتراض على خاتمي والحركة الاصلاحية. ويحق لهم المطالبة بالنتائج، فهذا مؤشر على الحنكة السياسية.

وامل بالا يبتعد الناس عن السياسة، فسوف نحتاج الى دعمهم مع تحركنا الى الامام". كما ان الإصلاحيين استغلوا يأس الجمهور لاصدار تحذير صارم للمحافظين. ففي 21 ايار 2003، بعض 127 من اعضاء البرلمان الإصلاحيين رسالة الى اية الله خامنئي تحمل هجوما شديدا على المحافظين:
"ان الغالبية العظمى من الشعب مستاءون فاقدون للامل. وغالبية النخبة اما صامته او اختارت طريق الهجرة. وهناك هروب ضخم لراس المال، واصبحت القوات الاجنبية تحيط تماما بالبلد. ونظرا للوضع الحالي فاننا يمكن ان نتصور فقط وجود مستقبلين بديلين لهذا البلد: الاول هو الدكتاتورية او الحكم المستبد المطلق، وفي احسن السيناريوهات المتفائلة يمكن لذلك ان يقود الى التبعية، وفي النهاية الى التفسخ او الفساد. والخيار الثاني هو العودة الى المبادئ الاساسية للدستور والقيام بجهد صادق للاستناد الى احكام الديمقراطية".

ولكن يبدو ان القليل من الإيرانيين يهتمون بهذه الرسالة. كان رد احد المسؤولين ساخرا عندما ذكرت جماعة الازمة الدولية له هذه الرسالة، التي لم يقرأها فقال :"انها غير ذات قيمة".

4-غياب بديل موثوق

ان الاستياء من المحافظين ومن الإصلاحيين جعل معظم الإيرانيين لا يرون مخرجا معقولا للازمة، وربما يعزى جانب من ذلك الى فشل الثورة نفسها. ويبدو ان معظم الإيرانيين اليوم اصبحوا عمليين، يملون المثالية التي سادت طيلة العقود الثلاثة الماضية، والتي يرون بانها ولت وانتهت. ومعظم الإيرانيين الذين شهدوا فوضى الثورة والتجربة الرهيبة لسنوات الحرب الثمانية مع العراق، يعبرون عن النفور العظيم من النشاط الذي يخاطر بالتحول الى العنف. وعند السؤال عن كيفية تحويل الجمهورية الاسلامية واصلاحها، كان لدى القليل من الإيرانيين افكار واقعية فيما سوى وجوب ان يحدث ذلك "بدون سفك دماء". وينادي علي رضا علوي، الذي يعتبره الكثيرون من اشد الدعاة المتطرفين للديمقراطية في المعسكر الاصلاحي، باللجوء الى اجراءات مثل "الاضراب عن الطعام والعصيان المدني"، لكنه يرفض العنف: "لا احد يريد العنف او الموت...علينا ان نعلم بعضنا البعض التسامح لا يمكن ازالة الدم بالدم". وكذلك زعماء الطلبة يحلفون بانهم ينكرون اساليب العنف. قال سعيد رضائي فقيه، الناشط الطلابي البارز، بعد سجن دام تسعة اسابيع: "ان حركة الطلاب لا تميل الى العنف، رغم ان الغضب والاحباط ربما يقودان لحوادث عنف متفرقة كرد فعل من جانب الطلبة. لكننا ندرك بان العنف يدمر مكاسبنا التي حصلنا عليها بشق الانفس في السنوات القليلة الماضية ولهذا السبب فاننا نتجه الى ربط حركتنا بمطالب الفئات الاجتماعية الاخرى، مثل العمال، وحتى الاسر".

وبينما يجد هذا الرفض للعنف الترحاب، لكن النظام الحاكم استغله لاحتواء الاحتجاجات. وربما ادت الاجراءات الصارمة التي قام بها المناوئون المحافظون المتشددون الى خسارة الحركة الطلابية مشاركة الالاف من زملائهم. فقد عبر طالب في الخامسة والعشرين عن مشاعر شائعة عن الطلبة، اوضح فيها بانه بينما "يساند" معظم الطلاب "تماما" الطلبة المتظاهرين، لكن عمليات الضرب والسجن والتعذيب "لا تساوي ببساطة ذلك" الجهد: "ذهبت الى الاحتجاجات الكبيرة قبل اربع سنوات تعرضت لهجوم [مليشيا] الباسجي باداة صدام كهربائي. استمر الجزء الاعلى من جسمي يؤلمني طيلة اسبوع. وقررت منذ ذلك الوقت الا تكون لي علاقة بالسياسة في هذا البلد. وذهبت لاتمام دراستي في الخارج، لا استطيع ان افعل ذلك لو كنت الان في [سجن طهران السيء] ايفين".اما وقد عانى الإيرانيون من تجربة الاضطرابات السريعة، يبدو انهم اصبحوا لا يرغبون الان في خوض تجربة اخرى.

أ-اللامبالاة عند الناخبين
يمكن رؤية اوضح بارومتر يقيس نفور الجمهور من العملية السياسية في الانخفاض الكبير في مشاركة الناخبين. وفي بلد كانت مشاركة الناخبين فيه مرتفع بشكل مستمر على مدى السنوات الست الماضية، يمثل الإهمال انعطافا كبيرا. ففي حين شارك 60% من الناخبين في الانتخابات البلدية لعام 1999، انخفض الرقم الى 28.7% في شباط 2003. وكان الانخفاض في طهران اشد انحدارا، اذ بلغت النسبة 12% فقط عام 2003، مما اسفر عنها فوز المحافظين" بكافة مقاعد مجالس المدن وتوجيه لطمة شديدة للاصلاحين الذين فازوا باثني عشر مقعدا من المقاعد الخمسة عشر في كل مدينة عام 1999 وفسر هذه النتيجة مراد شغافي، المحرر في صحيفة "غوفت اوغو" السياسة المرموقة بانها "عمل سياسي وليست دليلا على اللامبالاة" –رفض واضح من جمهور الناخبين للمرشحين الذين تم تقديمهم وللنظام الذي انتجهم. وهناك سياسي اصلاحي، رغم انه عانى من تثبيط همته بسبب نتيجة الانتخابات، لكنه شارك الجمهور في خيبة امله: " ان الامر اشبه بالتدرب يوميا لمدة ست سنوات بدون رؤية أي نتائج. ولذلك فانك سرعان ما تتوقف عن الذهاب الى مبنى الالعاب الرياضية".

ولا يبدو الامر كانه رد فعل طارئ من الجمهور. ففي مقابلات مع جماعة الازمة الدولية اكد الكثيرون بانهم لا ينوون التصويت سواء في الانتخابات النيابية في شباط 2004 او في الانتخابات الرئاسية في عام 2005-وهما حدثان يعتبران حاسمين لمستقبل حركة الاصلاح. تساءل مهندس إيراني في التاسعة والعشرين: "لماذا يتحتم علينا التصويت؟ ما الذي سيحدثه ذلك من جديد؟ لدينا دليل يعتمد على التجربة بان ذلك ممارسة لا جدوى منها".

ان من الصعب التنبؤ بالتاثير الذي سيحدثه هذا الانسحاب الشعب يمن السياسة. يعتقد البعض بان انتخابات 2004 يمكن ان تشكل "نقطة حاسمة" مع المشاركة الانتخابية المتدنية وحجب الثقة الخطير الذي سيمارسه مجلس حراسة الثورة مما يسفر عن نصر الصعب رؤية الشكل الذي ستاخذه هذه الازمة في غياب وسيلة لتوجيه السخط الشعبي. ويرى بعض الناشطين الديمقراطيين ان النتاج المتدني للانتخابات يمكن ان يساعد على الدفع والحث على التغيير. قالت مهنية عمرها 24 عاما لجماعة الازمة الدولية:"الاعتقاد هو بان الامور بحاجة الى ان تسوء فعلا لكي يحدث تغيير مفاجئ ودرامي حاسم. التغيير التدريجي لدى النخبة المثقفة في إيران في قدوم انتفاضة شعبية اخرى. وحسب تعبير عالم اجتماع في جامعة طهران فان "الديمقراطية ليست اقتناعا يدفع الناس للخروج الى الشوارع والتعرض للقتل".

ب-جماعات المعارضة
استنتج عدد كبير من الإيرانيين بان الجمهور الاسلامية حسبما هي عليه حالها الان غير قابلة للاصلاح، ولذلك فقد انفصلوا عن التيار الاصلاحي الرئيسي، والقليلون منهم يرى في المعارضة بديلا حيويا. وتوجد في إيران اصوات معارضة متنوعة،ومنها المنشقون المثقفون وعلماء الدين، مثل اية الله منتصري ومحسن قاديار. ولكنهم جميعا يعملون تحت خطر الاعتقال والتهديد، ولا سبيل لاكثرهم في الوصول الى وسائل الاعلام او الى ساحة الانتخاب. وبالاضافة لذلك، فان المنشقين الثوريين المشهورين والمفكرين الدينيين الذين خاب املهم في النظام الحاكم –مثل اكبر غانج وعبد الكريم سوروش-يحظون باهتمام عند المحرضين الديمقراطيين اقل بكثير مما كانوا يحظون به في السابق. قالت امرأة لجماعة الازمة الدولية :"انهم جميعا يعانون من نفس المصدر، الناس يريدون شخصا من خارج النظام".

وفي خارج إيران، يسعى حفنة من الجماعات والافراد الى الاتحاد كمراكز معارضة. والقليل منهم يحظى بأي دعم حقيقي في الشارع الإيراني. فمنظمة "مجاهدي خلق" المستقرة في العراق والتي حظيت بدعم النظام البعثي، فقدت أي اتباع ربما كانوا في إيران ندما حاربت نيابة عن العراق خلال حرب 1980-1988 وزادت ضعفا بسقوط صدام، وهي الان تعتمد كلية على حسن نية الولايات المتحدة التي وضعتها على قائمة المنظمات الارهابية الاجنبية وفي احسن الاحوال تبدو واشنطن مستعدة لاستخدامها كمصدر استخباراتي ووسيلة في تعاملها مع إيران.

وكذلك تتمتع "حركة نهضة جنوب اذربيجان الوطنية" التي تشكلت حديثا بدعم قليل وشرعية صغيرة في إيران، بسبب اجندتها المعارضة. وقد لقيت الاخبار المؤكدة عن عقد لقاءات سرية بين المسؤولين امريكيين وبين رئيس الحركة الاذرية علي شهرجاني، الناشط الانفصالي من اذربيجان الإيرانية، نفورا لدى النخبة الفكرية والسياسية في إيران بمن فيهم الكثير من الاذريين الإيرانيين. ويمثل ذلك رد فعل احدهم اذ قال: "نحن إيرانيون مائة في المائة. لماذا نريد الانفصال؟ نحن هنا منذ الف سنة".

يبدو ان الشخصية المعارضة التي تثير اشد الفضول وحسب الاستطلاع هذه الايام هو رضا بهلوي البالغ من العمر 42 سنة، الابن الاكبر لشاه إيران السابق، والمقيم باحدى ضواحي واشنطن، ففي اعقاب هجمات 11 ايلول/سبتمبر 2001، بدا بهلوي الظهور بانتظار في التلفزيون الناطق بالإيرانية الذي يبث من لوس انجلز، يتحدث عن رؤيته لإيران كدولة ديمقراطية علمانية، ويقول انه يحب العمل "كحافز" على التغيير". ويبدو ان رسالته قد احدثت صدى ما عند الشباب الساخط الذي لا يتذكر فساد ووحشية نظام والده، وكذلك عند الإيرانيين من الطبقة الوسطى والعاملة الذين يتذكرون حقبة من مستويات المعشية الاعلى والحريات الاجتماعية الكبيرة. يقول مؤرخ إيراني: "الشيء الوحيد عنده هو سياسة الحنين الى الماضي" والواقع ان الاهتمام ببهلوي ربما يفسر كاحد اعراض السخط العميق على النظام الحالي، لا كرغبة حقيقية لرؤيته على راس الدولة.

قال دبلوماسي غربي: "الناس الان يبحثون عن أي بديل. في مثل هذا الوقت من العام الماضي لم يكن ممكنا القول بان له أي دعم شعبي. لكن الواضع وصل الى مستوى من اليأس الى درجة جعلتهم يبحثون عن اي شخص اخر". وحتى بين الذين يعبرون عن التأييد لبهلوي، القليل منهم يعبر عن الرغبة في العودة الى الحكم الملكي المطلق (بمن فيهم بهلوي نفسه) يقول ضابط سابق في جيش الشاه: "لقد انتهت تلك الحقبة".

ج-الاعتماد على الولايات المتحدة؟
ان الاحساس المتنامي بالضياع واليأس التقى مع الخطاب الامريكي العدواني والاحداث المثيرة في العراق وأفغانستان المجاورين، لينتج مشاعر معقدة حيال الولايات المتحدة ودورها المحتمل في احداث تغيير في إيران. ولا شك في ان معظم الإيرانيين ومنهم الكثير من المسؤولين، يؤيدون الحوار مع الولايات المتحدة واستئناف العلاقات العادية، ولكن التوقعات تمضي الى حد ابعد عند البعض. اما وقد فشلوا في اصلاح نظامهم عن طريق صناديق الاقتراع، يبدو ان عددا متزايدا يؤمن بان مستقبلهم السياسي سوف يتقرر، لا في طهران وانما في واشنطن، مما حملهم على اعطاء اكبر قدر من الاهتمام لبيانات المسؤولين الامريكيين بقدر ما يعطونه لبيانات السياسيين الإيرانيين. وكما عبر عن ذلك موظف في دار كتب إيرانية:" معظم الناس يعتقدون بان عملية التحول الديمقراطي بحاجة الى طرف ثالث كي يبدأها، وان الشعب الإيراني بحاجة الى دفعة من الخارج. فالناس بمفردهم ليسوا على قدر كاف من القوة لتغيير طريق علماء الدين (الملات)".

بينما مضى بعض الذين اجرت جماعة الازمة الدولية لقاءات معهم الى حد اقتراح تأييد تدل امريكي من اجل الاطاحة بالنظام الحاكم لكن معظمهم قدم الاراء التالية:

*يجب ان تتحدث الولايات المتحدة بقوة ضد النظام الحاكم ككل وتأييدا للطموحات الإيرانية في الديمقراطية وحقوق الإنسان.

قال صحافي إيراني خرج مؤخرا من سجن دام عدة سنوات: "على الولايات المتحدة ان تظهر للنظام الحاكم بانها ستقف بجانبنا، والا فانهم سيواصلون الاساءة إلينا".
وتجد القضية نقاشا ساخنا بما في ذلك داخل دوائر السياسة الخارجية الامريكية وقد حذرت جماعة الازمة الدولية من بيانات سعت الى تحريض النظام السياسي الإيراني كله على شعبه، محذورة من انهم "يستخفون بالمعارك السياسية الهامة الجارية داخل قيادة البلد، ويفسرون تفسيرا خاطئا الخلافات الهامة بين الجماعات المحافظة والاصلاحية، ويقللون المساحة السياسية التي يمكن ان يعمل في نطاقها الاصلاحيون" ولكن العدد المتزايد من الإيرانيين الذين فقدوا الامل في الإصلاحيين ليسوا منزعجين من هذه المخاوف.

*وفي نفس الوقت، من الافضل للولايات المتحدة ان تعزز المبادلات الثقافية والتعليمية والاقتصادية من اجل تقوية الشعب الإيراني وبالتالي اجبار النظام الحاكم على تقليل ممارساته التقييدية. وقد كان هناك اجماع على قضية واحدة: ان ممارسة الولايات المتحدى بحرمان الطلبة الإيرانيين من تاشيرات الدخول، واخذ بصمات الاصابع، واخذ صور فوتوغرافية من قبيل الشبهة لجدات إيرانيات في زيارة لاسرهن في الولايات المتحدة، اعمال تاتي بنتائج معاكسة. ومن احسن من عبر عن الوضع صحافي إيراني، اذ قال ان على الولايات المتحدة "ان تبدي جزرة كبيرة للشعب الإيراني وعصا كبيرة للحكومة الإيرانية".

*من المبكر جدا قياس كيف تاثر الإيرانيون بالحرب التي قادتها امريكا واحتلالها للعراق. فعلى الرغم من الازدراء الشعبي لصدام حسين والعداوة الرسمية له، ركزت وسائل الاعلام التي تسيطر عليها الحكومة الإيرانية على الاخبار التي تصور المتاعب وانعدام الامن حاليا في العراق، وبينما نجد ان سقوط طالبان في أفغانستان –التي كانت الحكومة الإيرانية تعارضها منذ زمن طويل- قد جلب الامل في الحرية بما نقله من صور تلفزيونية، اذ ان الصور التي بثت عن العراق فيما بعد الحرب احدثت حتى الان القليل من الطموح.

وقد اضعف ذلك الحكم الرومانسي في احتمال تغيير النظام في إيران. ويبدو ان الإيرانيين كبار السن بشكل خاص يتوجسون خيفة من الخطط الامريكية للمنطقة. قال كهل إيراني:" ان من يظن بان لامريكا نوايا نبيلة في إيران، عليه ان ينظر ما فعلوا بالعراقيين. لقد جعلوا منهم عاطلين عن العمل وليس لديهم ماء او كهرباء". ويبدو اخرون سجناء تناقضاتهم، يرغبون في التدخل الامريكي، ولكن ليس بتدخل عسكري، وكما عبر عن ذلك مهني عمره 30 عاما "اسمع المزيد والمزيد من الإيرانيين الذين يتمنون ان يقوم بوش بطرد رجال الدين مثلما فعل بصدام. ان الاطاحة بنظامين في جوارنا تاثير نفسي عظيم ويجب اخذ ذلك على محمل الجد، لقد سئم الناس العاديون ولذلك فهم لا يعارضون لو قدمت واشنطن يد العون لاحداث التغيير...ولكن بدون قوات امريكية، من فضلكم!".

5-صعود المحافظين البراغماتيين؟

ادى العداء الشعبي لاجندة المحافظين الاضطهادية للمجتمع، والضيق ذرعا بفشل الإصلاحيين، وفتور الشعور عند المجتمع، وغياب معارضة منظمة، الى وقوع الإيرانيين في مأزق، مع امال ضعيفة في حدوث تحول حقيقي على المدى القصير. ومع وجود العقبات على كل طريق، ربكا يرضى الإيرانيون ببساطة بتغيير متواضع من خلال جيل جديد من المحافظين البراغماتيين العمليين على نمط الرئيس السابق رافسنجاني.

اما وقد فوجئ عدد صغير لكنه متزايد من هؤلاء المحافظين البراغماتيين بالنجاح الانتخابي للحركة الاصلاحية، وافتقارهم للدعم الشعبي، فقد بدوا باعادة التخطيط لعودة ظهورهم . وهو ينتمون الى الطبقة الشابة نسبيا ذوي التعليم الجامعي، والى المؤسسة الدينية القديمة الذين اصبحوا مقتنعين بان اصلاح النظام يعتبر ضروريا لحمايته. واستنتجوا بان القيان بجهد يائس للمحافظة على الوضع الراهن بأي ثمن، سوف يهدد مباشرة وجود النظام الحاكم. قال المفكر المحافظ امير محبيان: "اذا اصررنا على المحافظة على سياستنا القديمة وتجاهل الدعم الشعبي، سوف تصبح جماعتنا اشبه بطائفة". كما دعت صحيفة "سياسة الروز" (اليومية المحافظة) المحافظين للقيام "باصلاحات اساسية لكي نجعل انفسنا اكثر جاذبية للشعب".

ويرى الكثير من المحافظين بان اعتزال الجمهور للسياسة ومقاطعة الانتخابات يقدم فرصة لهم. وكما لاحظنا، عندما توجه 12% فقط للتصويت في الانتخابات البلدية في طهران، تمتع المرشحون المحافظون باول نجاح لهم منذ انتخابات 1997. ويرى مراد سغافي، وهو مفكر علماني، بان "انتصار المحافظين في الانتخابات البلدية كان العالم المصغر الذين املوا بان يسمح لهم بالفوز في الانتخابات على مدى السنتين القادمتين". ووافقه في هذا الرأي سيامك نمازي، مدير شركة عطية بحر الاستشارية: "يرحب الكثير من المحافظين بانسحاب الجمهور من الحياة السياسية، وهو يدركون بان الناس الذين لم يعودوا يتوجهون الى صناديق الانتخابات كانوا يصوتون للاصلاحيين".

ويصف احد المراقبين الرئيس السابق رافسنجاني،الزعيم غير الرسمي للمعسكر البراغماتي المحافظ على انه "سياسي مراوغ متمرس وذكي –ربما هو اكثر رجال الدين دهاء في الجمهورية الاسلامية".وتعتبر الهموم الاستراتيجية والاقتصادية عند رافسنجاني واتباعه على انها في النهاية لا بد وان تحظى بالاسبقية والاولوية على الهموم الايديولوجية. وهناك ايضا بعض الدلائل على ان القائد خامنئي ربما يتاثر برأي رافسنجاني. ففي اواخر حزيران 2003، وفي مفاجأة للكثير من المراقبين، القي خطابا لم يسبق له ان القى مثله، اكد فيه على اهمية الاستثمار الاجنبي بالنسبة لإيران. وعلق على ذلك محلل سياسي بقوله: "هذه هي المرة الاولى على الاطلاق التي سمعت فيها خامنئي يتحدث بايجابية عن الاستثمار الاجنبي، فهو عادة يشير الى المستثمرين الاجانب باعتبارهم مستغلين ومصاصي دماء".

ومع ذلك، فان البراغماتيين المحافظين يواجهون صعوبات كبيرة. وهم الان يفتقرون الى الدعم الشعبي الحقيقي،ولطختهم الادعاءات بالفساد. وبينما يشعر الكثير من الإيرانيين بان رافسنجاني شخص يستطيع انجاز ما يريد وتسيير الامور، لكنه محاط هو واسرته بدوامة من الاتهامات، وكان مظهره في انتخابات 2000 البرلمانية –حيث كان ترتيبه التاسع والعشرين من ثلاثين مرشحا واستقال بالتالي وسط شائعات بوقوع تصرفات انتخابية غير لائقة –دليلا على موقعه السياسي المتدني. وليست المشاعر الشعبية حول محافظين براغماتيين اخرين بافضل من ذلك.

ولا يزال من غير الواضح ما تعنيه البراغماتية المحافظة بالنسبة للإيرانيين. ويبدو ان النموذج المفضل داخليا هو الصين: التحررية الاقتصادية مقرونة بالقمع السياسي والتخفيف تدريجيا من الهيمنة الثقافية. وعمليا تميل التحررية الاقتصادية نحو ما يوصف بالسيناريو الروسي: سياسة خارجية استرضائية تساعد على تحصين النظام الحاكم من النقد الدولي وتعزيز الاستثمار الاجنبي.والواقع ان رافسنجاني صرح بعد دخول القوات الامريكية بغداد مباشرة بان العلاقات مع واشنطن يمكن ان تبدأ بسرعة اذا دعت الحاجة، وقال: "قال الامام ان بامكانكم ايقاف الصلاة والصوم اذا كان ذلك في مصلحة النظام الحاكم وبناء على ذلك، فان أي مشكلة خارجية يمكن ان تقع لنا على اساس اسلامي، يمكن ان نحلها اذا كانت مصلحتنا ان نفعل ذلك".

وبناء على هذه النظرة، يعتقد المحافظون البراغماتيون بانه يمكن لهم تدعيم موقفهم الشعبي باعادة العلاقات مع واشنطن بينما يتفوقون على الإصلاحيين في سياق العملية.ومضى البعض بعيدا الى حد الايحاء بامكانية الاستعداد لعقد صفقة استراتيجية كبرى مع الولايات المتحدة، يوضع فيها على طاولة المفاوضات عدد من السياسات الإيرانية الحالية، بما في ذلك دعم حزب الله في لبنان والمنظمات الفلسطينية المتطرفة. ويرى الاستراتيجي الاصلاحي علي رضا علوي بان "اعادة العلاقات مع الولايات المتحدة هي الورقة الرابحة، ويريد المحافظون الفوز بها".

ربما كان محسن رضائي، الموالي لرافسنجاني والقائد السابق لقوات الحرس الثوري الاسلامي، قد اعطى افضل وصف لنوايا المحافظين البراغماتيين نحو الولايات المتحدة- رضائي الان هو امين مجلس الائمة. ففي مؤتمر للامن الدولي عقد في اثينا في نيسان 2003، حضره مسؤولون امريكيون واسرائيليون سابقون، شارم فيه رضائي بصفته غير الرسمية، ودعا الى انفراج العلاقات الامريكية الإيرانية مبني على "مصالح مشتركة متفق عليها بدلا من منازعات صغيرة الحجم".

وقد تحدث رجائي –الذي يعتقد انه سيرشح نفسه للرئاسة عام 2005-بالتفصيل عما طرحه في اثينا، مؤكدا على ضرورة اجراء محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة، بدون وساطة الاوروبيين (الذين انتقدهم باصراهم "المتطرف" على تحسين سجل حقوق الإنسان في إيران). ويرى رضائي بان "علاقاتنا مع الولايات المتحدة يجب ان لا تتحقق من خلال الوساطة البريطانية. فإيران نفسها يمكن ان تتفاوض مباشرة مع الامريكيين". ونظرا لسمعة رضائي في الشارع الإيراني كمتشدد لا يبالي بالحريات المدنية، يصر بعض الناشطين الديمقراطيين على ان "الولايات المتحدة لا تستطيع بيع الشعب الإيراني مقابل ترتيبات امنية".

لكن هذه البالونات الاختيارية من المحافظين البراغماتيين قد احدثت ردودا غير حماسية من المحافظين والإصلاحيين على حد سواء. فالاصلاحيون الذين دافعوا عن الحوار مع الولايات المتحدة خلال رئاسة كلنتون وتلقوا النقد بسبب ذلك، يخشون من استخدام الورقة لاضفاء شرعية على سيطرة المحافظين على السلطة. ويقال ان وكيل وزارة الخارجية السابق عباس الكي نصح خامنئي حول السياسة الخارجية، وقال لجماعة الازمة الدولية ان الولايات المتحدة، ليست إيران، هي التي بحاجة لتغيير "توجهها وسلوكها". انظروا ال ما فعلوه في العراق وأفغانستان. الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل احداث فوضى في إيران". وندد بكلام رضائي باعتباره "غير ذي صلة بالامر"، وادعى بانه "لا يملك سلطة التحدث نيابة عن الحكومة". ولكن رضائي لم يكن ليتكلم بدون مباركة على الاقل من بعض اعضاء السلطة الاقوياء.

وليس من المؤكد ان كانت التعديلات في السياسة من النوع الذي فكر به براغماتيون محافظون يساعد على بقاء النظام المحافظ على المدى البعيد. في الوقت الحالي، تبدو هذه التعديلات محدودة بحيث لا تقدم حلولا موثوقة لمشكلات البلد السياسية والاقتصادية. ولا يبدو التحسن الاقتصادي ممكنا ما لم يحدث تغيير كبير في المناخ الاستثماري. كما يجب الا يكون هناك وهم حول درجة المرونة السياسية والثقافية من جانب اشد المحافظين البراغماتيين. ويرى عدد متزايد من الإيرانيين بانه يجب الفصل بين الدين والحكم. ولكن الصحافي طه هاشمي –المستشار لدى القائد الاعلى خامنئي والذي يعتبر من بين ابرز المستنيرين المفكرين المحافظين- اوضح في مقابلة مع جماعة الازمة الدولية بانه بينما "لم تلب الحكومة الدينية مطالب الشعب"، فان الطبيعة الاسلامية للحكومة الإيرانية ليست قضية قابلة للنقاش: "الدين يجب الا يخضع للحكم، والحكومة يجب ان تكون اسلامية".

6-خاتمة

ان بقاء نظام إيران السياسي الذي لا يتمتع بشعبية والذي يعاني من شبه شلل، يعود لعدو عوامل . وهناك عاملات هامان، هما:غياب حركة معارضة سياسية ذات مقترحات جوهرية وذات تأييد واسع، والتردد من جانب الاصلاحين كما ان البيئة الدولية المستقطبة المذعورة من الازمة العراقية ومن برنامج إيران النووي، يبدو انها كذلك عملت على رص صفوف الاتجاهات العنيدة داخل النظام الحاكم. كما ان التقاء النفور الشعب يمن عالم السياسة واستعداد النظام الحاكم للجوء الى القوة لاخضاع الاحتجاجات، يزيد من صعوبة تصور وجود شكل ناجح من سياسة جماهيرية على المدى القريب.

ومن المستبعد لاحتجاجات الشارع، التي تخاطر بالتطور الى سفك الدماء، ان تولد دعما شعبيا كبيرا من الإيرانيين الذين اصبحوا يضيقون ذرعا بالعنف. ويضاف الى ذلك الوضع الاقتصادي الذي جعل الكثير من الإيرانيين يركزون همهم على موارد رزقهم اكثر منه على السياسة. واخيرا، يحظى النظام الحاكم بتأييد قطاع قوي من الناخبين. ومن بينهم جزء من الطبقة المتوسطة التي أفادت اقتصاديا منذ الثورة، وجماعة صغيرة لكنها قوية من التجار والمؤسسات الدينية، التي تعتبر المستفيد الاساسي من حكم علماء الدين ومسانديه الرئيسيين.

ان ثبات النظام الحاكم وبقاءه واستمرار قبضة المحافظين عليه يجب ألا يعتبر أمرا مفاجئا. فبينما السخط على الحكومة واسع وعميق، لكن لا توجد بعد آلية لهذا السخط، اما لايجاد مخرج سياسي فاعل او لبناء وحشد زخم وقوة دافعة اعظم، ومن المرجح ان تواجه إيران المزيد من سوء الحال: صراع طويل بين الإصلاحيين والمحافظين، وسخط واسع الانتشار، واحتجاجات من وقت لاخر تفرقها عند الضرورة قوى الامن، وتغيير اقتصادي سرعته أبطأ بكثير مما يريد السكان المصابون بالضجر. اما الإيرانيون الذين يعملون لاصلاح مجتمعهم فهم،باختصار، كمن يحرث في البحر.

ومن الخطأ توقع ان تطيح اضطرابات الطلبة او الأشكال الاخرى من الاحتجاج بنظام الحكم. فهم لا يتمتعون بالاعداد الكافية ولا بالترابط ولا بالرؤية السياسية، وبالاضافة لذلك، يجب وضع النشاط السياسي للطلبة الإيرانيين في الصورة، فنظرا لخيبة الامل واسعة الانتشار في الرئيس خاتمي وفي حركة الاصلاح، يبدو الكثير من الشباب الإيراني اكثر ميلا لاستهلاك طاقتهم في محالة مغادرة البلد من الميل لمحاولة اصلاحه.

ان في هذا رسالة هامة للولايات المتحدة والمجتمع الدولي بكامله. ذلك ان إيران تقع في مركز معضلات امنية متعددة تعتبر حاسمة وخطيرة بالنسبة للمنطقة، بما في ذلك بشكل خاص المستقبل السياسي للعراق وأفغانستان والانتشار النووي. وينبغي، بالطبع، الا يحدث تباطؤ في الدعم العالمي للاصلاح السياسي والنضال من اجل حقوق الإنسان، ويعتبر منح جائزة نوبل لسلام لشيرين عبادي فرصة فريدة لتكبير هذه الرسالة. ولكن لانه من غير المتوقع ان ينهار النظام الحاكم، اصبح من اللازم اشراكه في مسائل تتصل بالقضايا الأمنية الملحة، حتى على حساب تعزيزه الى حد ما على المدى القصير. والواقع انه لكي ينجح أي مسلك سياسي، يجب ان يشتمل على فوائد اقتصادية محتملة لطهران واستجابة لتفهم مخاوفها الأمنية التي تشعر حقيقة بها-شعورها المتزايد بالطوق الاستراتيجي (من تركيا وأفغانستان والعراق والولايات المتحدة)، وحرمانها من الأسلحة النووية (في مواجهة اسرائيل والهند وباكستان).

ولن يقرر أخيرا شكل النظام السياسي في إيران سوى صراع محلي مطول يكون فيه المجتمع الدولي مؤثرا هامشيا فقط. وفي هذا جانب حسن وجانب شيء. فمن ناحية،لن يعمل الدعم الخارجي من الولايات المتحدة او غيرها، للمعارضة او لاحتجاجات الشارع، على تقويض خطير للنظام الحاكم، بل انه في الواقع ربما يجعل هذا النظام تصلبا. ومن ناحية اخرى، فان أي نفع يمكن ان يسعى النظام الحاكم لجنيه من الاشتباك مع الغرب ربما يكون قصير الاجل-وربما يلحق الضرر بهذا النظام.

اما عمق الاستياء الشعبي والتناقضات في صلب النظام الإيراني الحاكم فان من المشكوك فيه ان تظل حقيقة وقوية على المدى البعيد، اذا ظلت على وضعها الحالي. لكن الاتصالات الاقتصادية والثقافية الواسعة مع العالم الخارجي مقترنة مع الاصرار الدولي المتواصل على رؤية اصلاح سياسي والمزيد من الاحترام لحقوق الإنسان، فسوف يقوي المجتمع المدني ولا يضعفه، بل يضعف قبضة المحافظين على السلطة بدلا من ان يدعمها.



* (International Crises Group /جماعة الأزمات الدولية) عمان-بروكسل.
* ترجمة: مركز القدس للدراسات السياسية .

 
 
   
 
<< رجوع أرسل لصديق إطبع الصفحة