A+ A-
المسيحيون في ربيع العرب...ماذا يريدون؟

المؤلف: بثينة السراحين

المصدر: عيون البلد نيوز

التاريخ: 2014-02-12

حمل مؤتمر "المسيحيون وربيع العرب"، الذي انعقد مؤخرا في العاصمة عمان، مضامين خطيرة تبدأ من عنوانها الذي يخطف المسيحيين العرب من حضن أمتهم العربية؛ مرورا بالتلميحات بالتفرقة بين مسلم ومسيحي من قبل بعض الحاضرين؛ وانتهاء بطرح أفكار تقسيمية حاول البعض تضمينها في التوصيات الختامية للمؤتمر.
ويرى مراقبون أن المؤتمر الإقليمي المذكور أعلاه، والذي دعا له مركز القدس للدراسات السياسية، ورعته مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، ضل بوصلته على ما يبدو، حيث أساء المسيحيون المشاركون فيه فهم مقاصد الملك عبدالله الثاني، ممّن شدد على أن "مسألة الحفاظ على الهوية التاريخية العربية المسيحية، ليس ترفا، وإنما واجب".
جاءت تصريحات الملك هذه على هامش رعايته لمؤتمر دولي - انعقد في وقت سابق للمؤتمر موضوع الحديث- وناقش "التحديات التي تواجه المسيحين العرب"، وكان الملك استذكر ذلك المؤتمر خلال خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما تناول بالذكر المؤتمر الإسلامي الذي عقد كذلك في عمان، وقيل فيه إنّ الدولة الإسلامية الحديثة هي "الدولة المدنية التي تحترم حقوق الإنسان، وأهمها حق التعبير وحرية العبادة".
وعودة إلى مؤتمر"مسيحيون في ربيع العرب"، والذي شارك فيه مسيحيون من سوريا ومصر وفلسطين، والعراق، ولبنان، بالإضافة للأردن، فقد اتسمت الكثير من طروحاته باللاعقلانية، وبإثارة قضايا لا تتوافق مع وجهة النظر الرسمية للدولة المضيفة "الأردن"، خاصة أن هذا البلد يعتبر نموذجا فريدا للتعايش على أسس المساواة والمؤاخاة بين مواطنيه؛ مسيحيين ومسلمين، وإن كان هذا البلد؛ قيادة وشعبا يرحب بإنعقاد مؤتمرات للمسيحيين العرب على أرضه، فإن ذلك لا يبيح للضيوف تجاوز الخطوط الحمراء.
ومن بين أبرز الطروحات "الغريبة" في المؤتمر ما أثاره أحد الحاضرين "مسيحي فلسطيني" حول السعي لإقامة دولة مسيحية في المنطقة، ومحاولة تضمين هذا المطلب في التوصيات الختامية للمؤتمر، والتي لم يتسنّى لنا الإطلاع عليها، ومعرفة إن كان تمّ بالفعل تضمين مثل هذه الطرح الخطير فيها.
أصوات الحاضرين تعالت أيضا للإحتجاج على تسمية المسيحيين العرب بالطائفة أو الأقلية، حسب وصفهم"لا نريد تسميتنا بالأقليات أو الطائفية في الخطابات الرسمية، نحن شعب مسيحي".
محامية مسيحية أردنية أظهرت اعتراضها على قانون الإرث الإسلامي المطبق في الأردن، وأثارت تساؤلا آخرا "لماذا تُمنع المسلمة من الزواج من مسيحي، فيما تسمح القوانين بزواج المسيحية من مسلم؟"، حيث رأت المحامية في هذه المسألة "مؤشرا على التفرقة".
مسيحي فلسطيني قال"قدسنا قبل أقصاكم،، والأرض لنا قبل مجيء المسلمين وتشييد المسجد الأقصى" في محاولة منه لإضفاء الصبغة المسيحية وتقديمها على الإسلامية فيما يخص الولاية والسيادة على القدس، وكأنّ القدس تحررت وفرغنا اليوم فقط للتحدث عن أيّهما أحق بالسيادة عليها، يعلق عاقل مستاء من هذا الطرح.
مسيحي عراقي حاول النأي بأتباع ديانته في بلده عن الصراع الدائر هناك قائلا:"ما علاقتنا نحن الآشوريين والكلدانيين بالصراع الدائر بين السنة والشيعة؟!، لماذا يتم إقحامنا في هذا الصراع؟!". .فيما أيّده سوري بالقول:"شو دخلنا إحنا نضيع بين الرّجلين"
المؤتمر الذي حضره وسطيون إسلاميون ظلوا صامتين على هذه الطروحات الغريبة، والمفاهيم الخاطئة للكثير من الأمور، شهد محاولة "منفردة"من ناشطة أردنية بارزة" فوزية الزعبي" لتوضيح ما التبس وأختلط في عقول وطروحات الحاضرين، والتي اعترضت على حديث المسيحي الفلسطيني بتوجيه سؤال استنكاري له حول التناقض ما بين حديثه نظريا والواقع العملي الذي يشهد ضعفا في إنخراط المسيحيين في المقاومة "لماذا لا تقدمون الشهداء للقدس؟ ولماذا تتقاعسون عن مقاومة الإحتلال إذن؟".
رفض علني للحكم الإسلامي وللصبغة الإسلامية على الحكم في دول عربية يقيمون فيها أظهره المؤتمرون" نريد حكما علمانيا ولا نريد حكما إسلاميا في دولنا"، هذا المطلب جوبه برد عقلاني من الناشطة الزعبي:" وماذا يضيركم من إضفاء الصبغة الإسلامية على الحكم في الدول العربية التي تعتبرون جزءا لا يتجزأ من مكوّنها الإجتماعي؟، فهل الإسلام يدعو للفاحشة، أم أنه يدعو للسرقة وللأفعال غير المحمودة؟!!!،، إنه دين إصلاح وصلاح، وينهى عن الفحشاء والمنكر، ويأمر بالإحسان لكل مواطني الدولة بغض النظر عن ديانتهم وملتهم، ويساوي بينهم في الحقوق".
وأردفت الزعبي:" القائد صلاح الدين حرر القدس من الصليبين وأعادها لكم، والعهدة العمرية أصدق دليل على التآخي والتعايش المسالم بين المسلمين والمسيحيين في القدس، وفي الدول الإسلامية سالفا ولاحقا، فلا فرق بيننا وبينكم، فرحكم فرحنا، وألمكم ألمنا ومصابكم مصابنا، وإن كان الحال كذلك، فما الداعي لمثل هذه الطروحات اليوم؟".
وأوضحت الزعبي ما ألتبس على المتآمرين من أمر تسميتهم بأهل الذمة، التسمية التي رفضوها واعتبروها مهينة، قائلة"أنت ذمي معناها أنك مكرّم وتعيش بسلام، وأنك في ذمتي وفي رقبتي وذمة كل المسلمين تعيش بيننا بسلام، وتحصل على كامل حقوقك في العيش الكريم كسواك من المسلمين في بلاد الإسلام، وهي تعني أنّ دمك محرم عليّ كحرمة دم المسلم تماما".
وفيما طرح مسيحي سوري"مسألة أحقية الغساسنة المسيحيون بالأرض العربية"، ردت الزعبي:" الأمر ببساطة أنّ جدك كان غسانيا ولم يُسلم، بينما كان جدي غسانيا وأعتنق الإسلام،، فالأرض لنا جميعا، هذه هي الحقيقة ببساطة. كما أنه لو أردنا إثارة الأحقية في الأرض تبعا للأديان لكانت الأحقية حسب تحليلك للديانة التي سبقت المسيّحية،، وهذا التحليل لو سلمنا به يودي بنا إلى نتائج غير محمودة تتعارض مع حقيقة الأمور، فالأرض لأهلها الأصليين بغض النظر عن دينهم، وهذا المقياس الدقيق للأمور".
ومزيد من الإيضاح قدمته الناشطة: "للإسلام حكمة من عدم تزويج المسلمة لمسيحي، لأن أتباع الديانات السماوية الأخرى لا يؤمنون بالإسلام من أصله، ولهذا فإن زوج المسلمة غير المسلم ربما لن يحترم دينها الذي تدين به، بينما في المقابل يحترم المسلم ديانة زوجته المسيحية، إنطلاقا من إيمانه بالنبي عيسى عليه السلام وإقراره بالديانة المسيحية، إنسجاما مع معتقداته الإسلامية،،،بل نحن لا يكتمل إسلامنا إن لم نؤمن بنبيكم عيسى وببقية الأنبياء موسى وإبراهيم وآدم أبو الخلق، وغيرهم صلوات الله عليهم ممّن ذكرهم قرآننا، ونحن نذكرهم في صلاتنا، وفي تلاوتنا لكتابنا".
المؤتمرون، حاولوا حصر العنف الذي يمارسه متشددون في دول الربيع العربي بأتباع الديانية المسيحية، فأوضحت لهم الزعبي: "إن قتل منكم واحدا فقد قتل منا ألف شخص قبالته، وإن هُدمت كنائسكم فقد هُدمت مساجدنا ونبشت قبور صحابتنا ومُزّق مصحفنا وتم حرقه ودوسه بالأقدام، ومن هنا العنف يطال العرب جميعا بغض النظر عن ديانتهم وملتهم".
وخلال المؤتمر أوضحت الناشطة للمؤتمرين أن العنف لا يقتصر على أتباع دين بعينه بدليل الحملات الصليبية على ديار المسلمين، وحملات نابليون الإستعمارية على الدول العربية، ومساعدة دول غربية تدين بالمسيحية مثل بريطانيا لليهود في إقامة دولتهم في دولة عربية هي فلسطين.
وفيما استعرض المؤتمرون أرقاما ضخمة عن حجم هجراتهم للغرب، كشفت الزعبي حقيقة الإحصائيات التي يُقصد من طرحها" تضخيم" حجم الإضطهاد الذي يتعرض له المسيحيين في الدول العربية،، حيث قالت" تهجيركم متعمد من قبل الغرب؛ وهم يسمحون لكم بالهجرات أفرادا وجماعات، ويمهدون لكم طريق الهجرة كي يثبتوا لاحقا المزاعم القائلة أن المسحيين في الدول العربية مضطهدين، وبالتالي هم بحاجة لدولة مستقلة يعيشون فيها بسلام،، والدليل على صدقية حديثي هو لو أنني كمسلمة لو أردت الهجرة لأمريكا لأستغرقت عاما بأكمله من الوقوف على أبواب سفارتها قبل أن أتلقى ردا غالبا ما سيكون معنونا بالرفض".
وأضافت الزعبي:" لماذا تهاجرون أصلا؟!، ولم تلبُّون دعوة الغرب المتصهين لتقسيمنا؟، ابقوا كالسنديانة ثابتين فوق أرضكم وفي بلادكم، نحن نعاني معكم ذات الإضطهاد والقمع والإحتلال، نحن وإياكم في النهاية أمة عربية واحدة، ولا يجوز لنا أن نكون شركاء في تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ،، وما الداعي أصلا لمثل هذه الهجرات إن كنا كمسلمين عرب رضعنا من صدور أمهاتنا حليب محبة إخواننا المسحيين؟ّ،، نحن لا نحتاج للغرب لكي يعلمنا محبة بعضنا البعض؛ مسلمين ومسيحيين".
كل الطروحات والمعطيات السابقة، هي أفكار مغلوطة وتوجهات تتعارض مع ما يقوله العقلاء من أتباع المسيحية، وفي مقدمتهم المناضل البارز الأب عطاالله حنا الذي صرح في مؤتمر"نداء القدس"، الذي انعقد في العاصمة عمان حزيران الفائت إلى اللحمة المسيحية الإسلامية، وشدد على ولاء المسيحين في فلسطين للقيادة الفلسطينية بصبغتها المسلمة، منوها إلى رفضه القاطع للفصل بين المسيحي العربي المسلم ومحيطه الإسلامي من خلال قصة استذكرها وهو رفضه التحدث لصحافي أجنبي سأله بدهاء عن إذا ما كانوا كمسيحيين يعانون من الإجراءات القمعية الإسرائيلية، حيث ردّ عليه بالتأكيد على أن "الإعتداء على المسجد الأقصى يعني بالضروة الإعتداء على كنائسنا، وبأن الاقصى للمسيحيين يمثل تماما ما تمثله كنيستيّ المهد والقيامة".
المناضل حنا، الذي يواصل المجاهرة برفضه التدخل الأجنبي في الدول العربية، لم يغفل كذلك-خلال مناصرته للقدس في مهرجانها العمّاني- عن الإشادة بالعهدة العمرية والتذكير بالأمن والعدالة والسلام الذي عايشه المسيحيون العرب في كنف الدولة الإسلامية منذ نشأتها".
جدير بالذكر أن محاولة إثارة الفتنة والتمييز بين العرب المسيحيين وبين محيطهم العربي لاقت منذ عقود رفضا قاطعا من الأوساط العربية في فلسطين المحتلة، حيث كان قادة الإحتلال الإسرائيلي وعرّابي الفتنة والتقسيم منهم يتحدثون في خطاباتهم الرسمية قائلين"العرب والمسيحيين والدوز"، وذلك أملا منهم بتمزيق الجسد العربي المتآلف بمسيحييه ومسلميه.
المساعي التقسيمية التي طرحها المحتلون في فلسطين لتسهيل السيطرة على البلاد والعباد، مرفوضة بالتأكيد من قبل الأردنيين، نظاما وشعبا، مسلمين ومسيحيين، وإن كان الأردن بلد التعايش والتآلف يرعى مثل هذه المؤتمرات، فإن ذلك يجيء من منطلق قناعة راسخة أن لا تمييز بين مسيحي ومسلم في بلد صبغته إسلامية، يتساوى فيه المسيحي والمسلم في الواجبات والحقوق، لذا كان على المؤتمرون الأخذ بهذه المعطيات قبل أن يسيئوا فهم كرم الضيافة الملكية والشعبية في بلد ينأى بنفسه عن العصبية والفئوية".
&