A+ A-
مؤتمر عمان.. وإشكالية الخطاب السياسي الإسلامي

المؤلف: محمد سليمان أبورمان

المصدر: الإسلام اليوم

بعد جلسات من الحوار والنقاش الفكري والسياسي انتهتت أعمال مؤتمر "نحو خطاب إسلامي ديمقراطي مدني"، في عمان (27-29 أيار)، والذي شارك فيه قرابة خمسين وباحثا وناشطا في الحقل الإسلامي من أكثر من عشرين دولة عربية ومسلمة. واشتمل الحوار على عدة محاور رئيسة في الخطاب الإسلامي، أبرزها: الدين والدولة، المواطنة وحقوق الإنسان والحريات العامة وحقوق الأقليات وحقوق المرأة، التعددية السياسية والفكرية والمذهبية، فقه الأقليات المسلمة في الخارج.
أكدت الورقة الختامية، التي جاءت بعنوان "نحو رؤية مشتركة"، على أن إقصاء الإسلاميين عن العمل السياسي والمدني العام هو أقصر الطرق إلى التطرف والعنف الفكري والسياسي ، وأن تجاوز أزمة الإصلاح السياسي يكمن بوجود تفاهمات مع الحركات الإسلامية ، التي تؤمن بالعمل السلمي وبالتعددية السياسية والفكرية والمذهبية. ويمكن القول إنّ الرسالة الرئيسة للمؤتمر تتمثل بضرورة إدماج الإسلاميين في اللعبة السياسية في العالم العربي، مع دعوة الحركات الإسلامية إلى حسم موقفها في المسألة الديمقراطية، ودعوة الغرب إلى إنهاء "الفيتو" ضد وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم في كثير من الدول العربية - ونموذج التعاطي الغربي مع فوز حماس خير دليل على ذلك - ، فكما تطالب الحركات الإسلامية بالقبول باللعبة الديمقراطية لا بد أن تقبل اللعبة الديمقراطية بهم.
في هذا السياق من الملاحظ أنّ هنالك اتجاها إسلاميّا متزايدا نحو المشاركة السياسية والقبول بالتعددية، في السنوات الأخيرة، تؤكد ذلك مبادرات متعددة صدرت عن حركات إسلامية في كثير من الدول العربية، تتوازى مع بعض التجارب المتميزة في العمل الإسلامي التي قطعت شوطا كبيرا باتجاه تجديدٍ في الخطاب وبراغماتيةٍ في الممارسة السياسية ، ومرونةٍ في الاجتهاد والتعامل مع المشكلات المعاصرة. في المقابل، من الواضح أنّ فجوةً لا تزال قائمة بين رؤية نخب إسلامية مثقفة تقدم خطابا تجديديا وبين بعض الحركات الإسلامية، بخاصة في المشرق العربي، التي لا تزال تقدم رجلا وتؤخر أخرى في عملية التجديد والاجتهاد، ويعود ذلك إلى غلبة الشواغل السياسية على نشاط الحركات الإسلامية من ناحية ، ووجود اتجاه داخلها يعرقل ويقزم من مستوى التجديد والاجتهاد المأمول، على الرغم أنّ وجود رؤية فكرية اجتهادية- عملية يحل كثيرا من المشكلات المطروحة على الإسلاميين اليوم.
لكن، ثمة تساؤل مشروع يطرح في هذا السياق وهو: ما الحاجة إلى خطاب إسلامي ديمقراطي طالما أنّ أغلب النظم العربية ليست ديمقراطية أصلا ، ولا تقبل بالتعددية السياسية وبتداول السلطة، وفوق هذا وذاك تحرم كثير منها الإسلاميين – تحديدا- من فرصة المشاركة المشروعة في العملية السياسية؟..
الجواب على هذا التساؤل يكمن في عدة قضايا:
أولاً؛ الحاجة إلى خطاب إسلامي ديمقراطي ليست مرتبطة باللعبة السياسية فقط، وإنما حاجة حضارية، فهي مطلب اجتماعي- ثقافي يقوم على تكريس قيم التعددية والحرية والحق في الاختلاف والتسامح مع الآخر بين أفراد المجتمع وقواه المختلفة، وتعليم ذلك في المدارس والجامعات والمنتديات والمؤسسات الاجتماعية المختلفة. فالقيم الديمقراطية والمدنية لا تأتي من فراغ، إذ تتطلب بيئة اجتماعية- ثقافية حاضنة. والقاعدة، هنا واضحة، المجتمع الدكتاتوري لا ينتج ديمقراطية سياسية، حتى وإن شهد انتخابات ومجالس نيابية وصحفا وأحزاب معارضة. ما يعني ابتداء أنّ على الحركة الإسلامية أن تقدم دورا تنويريا في المجتمع باتجاه تكريس القيم المدنية والديمقراطية ، انطلاقا من الثوابت والمرجعية الإسلامية الأصيلة ، لتحكم الحياة الاجتماعية بما ينعكس على السلوك السياسي.
ثانيا؛ أمام الحركة الإسلامية طريقان في تحقيق الأهداف السياسية: إمّا العمل المسلّح وإمّا العمل السلمي الديمقراطي، وما دامت الحركات الإسلامية المعتدلة تؤكد رفضها للعنف، فعليها أن تصر على خيارها الديمقراطي وتؤكد عليه تماما، وهو الكفيل مع مرور الوقت بإحداث اختراق في الحياة السياسية العربية، بخاصة أننا أمام مرحلة انتقالية؛ إذ تعاني النظم العربية من تآكل في شرعيتها ومن أمراض الشيخوخة، ومن عدم القدرة على تجديد هياكلها السياسية، وهو ما يوفر فرصة تاريخية للإسلاميين إذا أحسنوا التعامل مع اللحظة التاريخية.
ثالثا؛ الخيار الديمقراطي للحركات الإسلامية لا يقف عند درجة القيم والخطاب، إذ لا يمكن الحديث عن ديمقراطية وتعددية في سياق خطابات ومواقف سياسية متحجرة أو جامدة، فلا بد من تطوير المواقف السياسية ، والاقتراب بها أكثر من مشكلات الواقع والتحلي بقدر كبير من البراغماتية والمرونة التي تساعد على الانتقال من لغة الشعارات والأيدلوجيا إلى البرامج السياسية الممكنة، وهو ما يعني أن على الإسلاميين مراحل يجب أن يقطعوها على طريق الديمقراطية.
أخيرا؛ الحاجة الأهم للتيار الإسلامي- الديمقراطي ليست للإدماج في اللعبة السياسية الحالية فقط، لكن لبناء جبهة إصلاحية من القوى العربية المختلفة تدفع باتجاه الديمقراطية، وهو ما يساعد، في المحصلة، في التأكيد على مسار الإصلاح السياسي كخيار للجميع .