A+ A-
موقف الإسلاميين من الأقليات

المؤلف: د. ارحيل الغرايبة

المصدر: الدستور

التاريخ: 2014-08-24

شاركت في مؤتمر تحت هذا العنوان أقامه مركز القدس، حول موضوع في غاية الأهمية: يتعلق بموقف الحركات الإسلامية من الأقليات، ومواضيع الذمة والجزية والحرية السياسية في ظل ما يجري على بعض ساحات العالم العربي، وخاصة في العراق على يد (داعش) تجاه المسيحيين، والأيزيديين وغيرهم، بحضور نخبة من العلماء والمفكريين وأهل السياسة ورجال الدين سواء على صعيد محلي أو عربي وإقليمي.
&
جذب انتباهي اعتراض أحد الموجودين على العنوان، حيث تم استخدام مصطلح «الأقليات» بالإشارة إلى المسيحيين، وأنا أؤيد هذا الاعتراض لأن «المسيحيين» في العالم العربي والإسلامي ما عادوا أقليات، بل هم مواطنون، كاملو المواطنة، وجزء من النسيج المجتمعي الواحد، هذا ما استقر عليه العرف والعقل والواقع، وهو ما يقره الإسلام ويحض عليه، بل سعى إلى ذلك ليشكل نموذجاً عالمياً في بناء المجتمعات القائمة على التعددية والحرية الدينية والسياسية، والعدالة الاجتماعية والعيش المشترك والمواطنة الحقيقية.
&
رجل دين مسيحي آخر يقول أنا معجب بإسلام عمر بن الخطاب الذي يقول « متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»، وأريد إسلام عمر بن عبدالعزيز الذي يقول : «انثروا القمح على الجبال، حتى لا يقال إن الطيور جاعت في بلاد المسلمين» وفي مقابل ذلك أنا لا أريد الإسلام المطروح على ألسنة هؤلاء في العصر الحديث، الذين يذبحون الناس، ويطردون المواطنين الآمنين من بلادهم وديارهم، ويشردون النساء والأطفال، ولا يحترمون الإنسان، ولا يقدسون الحرية ولا يقيمون وزناً للقيم، أنا مسيحي عربي أعتز بقوميتي وأعتز بوطني وأريد أن أقيم في بلادي وأرضي بدون وصاية ودون أن يفرض عليّ أحد رأياً أو فكراً أو إطاراً دينياً أو مذهبياً.
&
ربما قال رجل الدين كلاماً آخر طويلاً، يحمل بعض القسوة تجاه الإسلاميين الجدد، وتجاه الحركات الإسلامية جميعها، ولكن وجدت في كلامه ما يدعو جميع أتباع الحركات الإسلامية إلى المراجعة الفكرية والسياسية لمجمل التصرفات والسلوكات التي يقوم بها الأتباع والمؤيدون من الأجيال الجديدة الذين ينقصهم الوعي العميق لمقاصد الدين وروح الشريعة، من أجل إعادة تقديم الإسلام للناس بثوب عصري يقوم على فهم عميق لمبادىء الإسلام وروح الشريعة ومقاصدها.
&
وهنا لا بد من التأكيد على أن عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز، وغيرهم من سلف الأمة العظماء كانوا أعمق فهماً لمبادىء الإسلام وقواعد الشريعة ومقاصد الدين بحيث استطاعوا أن يسطروا صفحات مشرقة على أرض الواقع، جعلوا من بلاد المسلمين واحة للحرية والعدالة، يأتي اليها كل الهاربين من جحيم الاستبداد، وقهر السلاطين، والهاربين من جحيم العبودية والاستعباد إلى بلاد المساوة بين البشر، التي تنتفي فيها كل أنواع التمييز القائم على الجنس أو اللون أو الدين أو العشيرة، ليأتي جيل جديد قصير النظر، سطحي الفكر، ضحل الثقافة، ليجعل من بلاد المسلمين جحيماً لا يطاق، وجعلها بركة من الدماء وبيادر من الأشلاء.
&
ما ينبغي أن يعلمه شباب الحركات الاسلامية، أن الدين جاء ليحرر الإنسانية ويقيم العدالة، ويرسي منظومة القيم النبيلة المتوافقة مع العقل والفطرة السليمة وفقاً لقواعد راسخة ومبادىء كبيرة وقيم ثابتة، وكل تصرف أو تطبيق عملي لا يتوافق مع هذه القواعد فهو مردود، وكل اجتهاد عبر التاريخ محكوم بعمل العقل، ومقتضيات الواقع، التي تتغير بتغير الأزمات وتغير المعرفة، والقاعدة الفقهية تقول : « لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان» مما يجعل التطبيق المعاصر لمجمل القواعد الكبرى والمبادىء الثابتة محكوم بتحقيق مصلحة العباد التي يقررها جمهور العلماء والفقهاء والعقلاء في كل زمان وفي كل مكان.
&
المصيبة الكبرى أن يتنطع الحديث في أمور الدين والفقه من لا حظّ لهم في العلم، ولا صلة لهم في الفقه، ويتطاولون على أهل الاختصاص بلا رادع من أدب، ولا وازع من دين، يعتمدون على بعض الأحاديث المجتزأة، والمقولات الانطباعية، وبعض الاختلافات القائمة على رأي سياسي له ظروفه التاريخية وظروفه المكانية والزمانية، وبعضها تستند إلى نزق وتعصب وإحباط ويأس ونقمة وحرمان، يغذيها واقع مؤلم واختراقات معروفة.
&