A+ A-
الإسلاميون والحكم.. حصاد التجارب

المؤلف: بسام ناصر

المصدر: السبيل

التاريخ: 2014-12-23

ينظم مركز القدس للدراسات السياسية في الأردن، مؤتمرا تحت عنوان «الإسلاميون والحكم.. قراءات في خمس تجارب» وذلك خلال الفترة من 27-29 من الشهر الجاري، تشارك فيه شخصيات سياسية وفكرية من تونس، المغرب، مصر، تركيا، العراق، والأردن».
&
وبحسب عريب الرنتاوي مدير عام المركز، فإن فكرة المؤتمر تقوم على «إجراء مراجعة نقدية لتجارب حكم الإسلاميين في عدد من دول المنطقة، بما لها وما عليها.. وأن الهدف من المؤتمر تشجيع مختلف الفاعلين الرئيسين على ممارسة النقد، والنقد الذاتي، وإجراء المراجعات النقدية للخطاب والممارسة..».
&
ما يستوقف المراقب للمشهد الإسلامي، أن من يبادر إلى تنظيم هذه المؤتمرات، والدعوة إليها، غالبا ما تكون مراكز بحوث ودراسات عربية وغربية، ما يطرح سؤالا حول غياب الحركات الإسلامية الفاعلة عن الاهتمام بمثل هذه الفعاليات، فلماذا لا تبادر تلك الحركات المعنية بتقييم تجاربها الذاتية في الدرجة الأولى إلى عقد الندوات وتنظيم المؤتمرات لإجراء مراجعات نقدية لتجاربها في الحكم ومجمل مشاركاتها في الحياة العامة، يقوم على إنجازها مفكرو تلك الحركات ومنظروها؟
&
تلك الملاحظة لها تعلق كبير بمدى قبول الحركات الإسلامية لفكرة المراجعة النقدية، وممارستها لها فعليا، وإشاعتها في أوساط أتباعها وفي مؤسساتها، لتغدو ثقافة سائدة، وطقسا شائعا في خطابها وممارساتها، وهو بحسب شواهد الواقع ما زال غير متحقق في أوساط تلك الحركات.
&
أول ما ينبغي بحثه في هذا السياق: هل دخلت الحركات الإسلامية عالم الحكم والسلطة وهي تمتلك مشروعا متكاملا أعدته بعناية؟ بحسب المفكر الاستراتيجي الكويتي الدكتور عبد الله النفيسي الذي طالب الحركات الإسلامية بعدم التورط في الوصول إلى السلطة فإن الحركات الإسلامية يغيب عنها المشروع المتكامل، لافتا إلى أن فشل حركة النهضة التونسية في الملف الاقتصادي كان أهم سبب في تدني شعبيتها، على حد قوله.
&
تجارب الإسلاميين في الحكم وإن أخذت في ظاهر الأمر مسارات مختلفة، إلا إنها محكومة في نهاية المطاف بمسار واحد، ألا وهو إجهاض التجربة وإفشالها (طبعا باستثناء التجربة التركية «حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان» لمن يصر على إلصاق صفة الإسلامية بها)، على ضوء التجربتين المصرية والتونسية، بوضوح نهايات الأولى، وتراجع الثانية وقبولها بالتنازل عن الحكم، تفاديا للدخول في نفق التجربة المصرية الخانق.
&
تجارب الإسلاميين في الحكم، أدخلتهم إلى عالم السلطة والحكم، ليحسنوا تقدير الأمور والسياسات والمواقف بما تتطلبه من شروط واقعية، وما يكتنفها من معادلات وحسابات معقدة، وليس بما يدور في عالم الأمنيات والتطلعات، وما تتداوله المعارضة السياسية في خطاباتها وأحاديثها الهادرة.
&
ولوج الإسلاميين لقصور السلطة والحكم، يعني انتقالهم من همومهم الدعوية والحركية، إلى هموم الشعوب ومشاكلها الكبيرة، فأن تكون مسؤولا عن إدارة شؤون بضعة آلاف من الأتباع شيء، وأن تصبح مسؤولا عن إدارة شؤون البلاد بكل ما فيها من العباد، على اختلاف مللهم وأديانهم وتوجهاتهم الفكرية شيء مختلف تماما.
&
حركة المقاومة الإسلامية حماس حينما كانت في مواقع المعارضة، قبل تسلمها السلطة في غزة، كانت منهمكة في مشروعها الجهادي المقاوم، ومسؤولة عن شؤون أتباعها ومنتسبيها فقط، أما حينما أمسكت بزمام الحكم والسلطة، فقد باتت مسؤولة عن قطاع غزة بأكمله، وهي التي باتت تتحمل كافة المسؤوليات والتبعات في إدارة سائر المؤسسات وشؤون المواطنين.
&
تجارب الإسلاميين في الحكم، أطلعتهم عن قرب على ما تتطلبه ممارسة السياسية القائمة، من مسالك المكر والخديعة والدهاء والتلون، بما يتصادم مع قيمهم الأخلاقية التي لا يمكنهم بحال التنازل عنها، أو التفريط في شيء منها، فكيف يقوى الإسلاميون على ممارسة هذا اللون من الممارسة السياسية؟ وما حيلتهم حينما يجدون أنفسهم وقد غرقوا في تلك المستنقعات، ولا سبيل أمامهم إلا التلوث بقاذوراتها وروائحها الكريهة؟
&
اكتشف الإسلاميون أن ممارسة الحكم والسلطة، يتطلب قدرا كبيرا من الدهاء، لأن كثيرا من الساسة ثعالب ماكرة، ووحوش كاسرة، لا يصلح التعامل معها بمنطق لنا ظاهرهم وحسابهم على الله، ففي عالم الحكم والسلطة من يظهر الضعف والمسكنة حتى يقوى ويتمكن، ومن يجيد التمثيل وتقمص الشخصيات والأدوار، فيظهر أقوالا وأعمالا ينخدع الإسلاميون بظاهرها، وينجرون إلى الثقة بأصحابها، مع أنهم يبطنون عدواتهم، ويتحينون الفرصة للانقضاض عليهم، والإطاحة بهم.
&
أخيرا اكتشف الإسلاميون أنهم غير مرغوب فيهم كحكام في ظل المناخات والأجواء العربية والإقليمية والدولية القائمة، وأدركوا تماما أن تلك القوى ستحاربهم بلا هوادة، لإجهاض تجاربهم في الحكم، وإظهار فشلهم أمام الشعوب، وهذا ما يرونه قائما في مصر وليبيا واليمن وتونس، فليراجعوا رؤاهم، وليعيدوا ترتيب أوراقهم في ظل الحرب الشرسة المعلنة عليهم.
&