A+ A-
"مواجهة التطرف العنفي" في مقاربة لبنانية، عربية ودولية

المؤلف: العميد م. ناجي ملاعب

المصدر: موقع الأمن والدفاع العربي

التاريخ: 2015-12-12

رأى الرئیس اللبناني الأسبق أمین الجمیل ان "الإرهاب اتخذ حجما دولیا ومنظما وأصبح یتنقل من منطقة الى اخرى في العالم"، معربا عن قلقه من "تنامي البعد الدیني الذي بدأ هذا الارهاب یأخذه، ومن عدم وجود خطة حكیمة لمواجهته". ودعا الى "قیام هیئة دائمة للحوار بین الادیان لایجاد حد ادنى من القواسم المشتركة ووضع است ارتیجیة قائمة على القیم الانسانیة."

كلام الجمیل جاء خلال افتتاحه مؤتمر "الطرق المبتكرة لمواجهة التطرف العنفي"، الذي دعا الیه "بیت المستقبل" بالتعاون مع مؤسسة "كون ارد أدیناور" في العاصمة اللبنانیة، في 11 كانون الأول/دیسمبر.

وركز الجمیل على "ثلاث نقاط یجب أخذها بالاعتبار عند التفكیر في مواجهة الإرهاب بالتزامن مع المواجهة العسكریة، هي:
أولا: مسألة الحوكمة الصالحة، فنشأة الحركات المتطرفة كانت بسبب غیاب الحوكمة الصالحة في بعض الدول. وهي تقتضي الشفافیة لمنع الفساد وادارة الدول بشكل حكیم

ثانیا: قضیة التربیة التي تعتبر اساسا في مواجهة العنف السیاسي. إذ ان غیاب ثقافة التسامح واحت ارم الاخر شكلت حاضنة للتطرف، لا سیما في ظل انتشار المدارس الدینیة،فمن خلال التربیة والثقافة یمكن ان نواجه بشكل مباشر التطرف الدیني والعنف السیاسي.
ثالثا: الانماء، إذ أن انعدام التنمیة كان اساسیا في نمو ظاهرة التطرف العنفي."ّ الى"قیام هیئة دائمة للحوار بین الادیان في ظل ردود الفعل الخجولة ودعا الجمیع للمؤسسات الدینیة حیال التطرف الدیني". وقال: "منذ بضع سنوات، طرح الأزهر مبادرة في هذا الشأن ولكن لم یتلقفها أحد، علینا التعاون من اجل انشاء هذه الهیئة لایجاد حد ادنى من القواسم المشتركة ووضع است ارتیجیة قائمة على القیم الانسانیة."

وعلى اهمیة المواضیع المطروحة والكلمات التي أصابت في معالجتها، جاءت النقاشات والمداولات لتغني الحدث وتقیم فهماً وتفهماً مشتركاً بین طروحات الباحثین الغربیین المشاركین والرؤى التي عرضها زملاؤهم اللبنانیین والعرب.

فالمعالجة الإجتماعیة التي طرق سبلها الدكتور حسن منیمنة اعادت التفسی ارت المختلفة بشأن ظاهرة العنف الى مجموعتین من العوامل، العوامل البنیویة والعوامل الثقافیة:
التتفسیر الأكثر شیوعاً للعوامل البنیویة ویتیح المجال أمام الحل الأسرع هو الموضوع
الإقتصادي؛ إحباط، كبت، فقر ینتج عنه العنف. ففي مصر مثلاً، كان شعار الربیع العربي:
عیش – حریة – عدالة اجتماعیة، فالعیش تصدّر المطالب ما یؤكد على أهمیة الموضوع الإقتصادي. ویلیه التفسیر السیاسي؛ فالمنظومة العالمیة القائمة على توازنات سیاسیة تتجاهل أطر هامة، كالقضیة العربیة المركزیة – قضیة فلسطین – خلقت وما تزال شعوارً بالظلم لدى الشعوب العربیة.

والعامل الثالث یتمثل في التفسیر الإجتماعي وهو یلقى بعض التجاوب لدى الباحثین، فالفصل بین الجنسین مثلاً یودي الى الكوابت وهو أحد السبل الى العنف.

ویشكل "النمط الآسیوي" المبني على مجتمعات قائمة على السلطة والقوة، التفسیر الأسرع في العامل الثقافي یلیه الحدیث عن الإسلام؛ أي أن الإسلام بطبیعته دیانة سلطویة، وهذا الحدیث یلقى رواجاً في الغرب منذ تسارع وتیرة تداعیات أحداث 11 أیلول/ سبتمبر وعلى متن تداعیاته قفزت الى الواجهة في معظم الدول الغربیة الأحزب ذات النزعة المتطرفة التي لم تكن مقبولة سابقاً.

ویضیف منیمنة – الباحث السیاسي المشرقي في جامعات الولایات المتحدة – الى
المجموعتین عوامل المجموعة الحضاریة؛ ویعیدنا الى انجا ازت الفكر التنویري الذي انسحب على اوروبا نتیجة الثورة الفرنسیة ومن بعدها الثورة الأمیركیة. ویفسر بان "العدوى" انتقلت الى الشرق مع نابلیون وشهدنا ظاهرة "العامیات" وكان أبرزها في لبنان، هذه القیم التي برزت في الغرب قبل مئتي عام وقدمت إلینا، وكان القرن التاسع عشر قرن استیعابها، كان قبو ٌل لإنتقالها الى الشرق بعد سقوط السلطنة العثمانیة ، وحاولنا في بدایة القرن العشرین استیعاب فكرة "الدولة"، لكن الدولة أصبحت أبویة غیر قابلة للمساءلة، وانحصر العنف في ممارسة السلطة كحق من حقوق الدولة، فلا أحد من المنظومة العالمیة یتكلم عن عنف الصواریخ والبرامیل المتفجرة مثلاً. ویضیف بأننا "في المنطقة أمام فشل حضاري في استیعاب الدولة وقد فتح انحلال النظم الباب أمام استعمال هذا العنف".

ویتابع الدكتور منیمنة أن إسلام الیوم لیس كإسلام منذ خمسین سنة، فاسلام عبداالله العلایلي ذو المنهج التقدمي یقابله الیوم منهج آخر عززه سقوط الدولة. ویوافقه في هذه
الرؤیة الباحث الأردني الدكتور عرب الزنتاوي – مؤسس ومدیر "مركز القدس للبحوث السیاسیة" – ویعزو أسباب الإخفاق الى احداث ثلاثة حصلت خلال السنوات الثلاثین الماضیة:
ثورة النفط وانتشار السلفیة في الخلیج العربي، الثورة الإی ارنیة، والحلف الدولي الذي
ظه أرثناء الحرب الباردة في محاربة افغانستان (نجیب االله) الشیوعیة، ویخلص الى أن كل الدول اسهمت في تفاقم أوضاع الفرقة المذهبیة، كل بما یخدم مصلحته. والأردن الیوم، الذي تعتمد علیه الإ اردة الأممیة في عملیة فرز المنظمات المقاتلة ضد النظام في الجارة سوریا بین معارضة معتدلة ومعارضة متشددة (تكفیریة)، یحتوي على حوالى 7400 مسجد یخدمها 2400 إمام یتبعون الى السلطة الدینیة الرسمیة والعدد الباقي متروك على الطبیعة ولا تخضع للرقابة الخطب والتوجیهات والأدعیة التي تعتمدها. وبذلك "یكون 90 % من مجتمعاتنا سلفیون دون ان یعلموا". إنها السیاسة المتداخلة مع العامل الدیني ویجري استغلالها بشكل منسق ومنظم.

واختتم المؤتمر دون الإجابة على تساؤل سام منسى، مدیر بیت المستقبل، من أن موقف العرب المسلمین من الإرهاب موضوع اشكالیة ما ازلت غیر محسومة، فدائماً هناك "ولكن".

ولكن المؤتمر سجل محاولة للفهم والإبتكار لدى الخب ارء الذین ما ازلوا بدون أجوبة على ما یجري "ما بعرف". وأسهم كذلك في قیام مساحة حواریة هادئة خارج هذا الضجیج الكبیر من حولنا في مهب الإرهاب وتداعیاته ما یؤكد على دعوة منسى للمؤتمرین "بأن نفكر بشكل هادئ لمحاولة تجاوز الشائع من الصواب والخطأ".