A+ A-
"إسلاميو الديمقراطية" وأوهام التغيير

المؤلف: بسام ناصر

المصدر: موقع الراية

التاريخ: 2014-01-14

أعلنت كثير من الحركات والجماعات الإسلامية، المنتمية لمدرسة الإخوان المسلمين، والخارجة من رحمها، والسائرة في فلكها، في مناسبات مختلفة، عن تبنيها للمسار الديمقراطي كخيار استراتيجي، فارتضته سبيلا لإدارة العملية السياسية، وقبلت بآلياته لإسناد السلطة لمن يتأهل لها عبر صناديق الانتخابات المعبرة عن خيارات الناس وتطلعاتهم.

وقد انسجمت تلك الحركات مع قناعاتها المعلنة، بمشاركتها في العملية السياسية القائمة في بلاد الربيع العربي، وفق قواعد اللعبة الديمقراطية، وسلمت بنتائج الانتخابات التي وضعتها في صدارة المشهد السياسي، وأهلتها لتلعب دورًا قياديًا في إدارة شؤون البلاد، لكن غالب القوى السياسية المناوئة لتلك الحركات، انقلبت على ما كانت تدعو إليه وتنادي به من قبل، وأصبحت تشكك في كون صناديق الانتخابات أداة محترمة ومحورية، لاختيار من يتولى إدارة شؤون البلاد والإمساك بزمام السلطة.

وقع الانقلاب على الديمقراطية ومبادئها ونتائجها في مصر، وتم وأد التجربة برمتها، وتواصلت الضغوط على حركة النهضة التونسية، ما أجبرها على الخروج من الحكومة والتنازل عنها، تفويتا للفرصة على المتربصين بالحركة سوءًا، ودرءًا لمفاسد وشرور تكرار السيناريو المصري بدمويته وشراسته الطاغية وقمعيته.

أمام إقدام القوى المتنفذة الممسكة بمفاصل السلطة الحقيقية في دول الربيع العربي، على اغتيال تجارب الحركات الإسلامية في السلطة، والانقلاب بكل صفاقة على خيارات الشعوب، هل يمكن القول إن مُنظّري تلك الحركات ومُفكّريها كانوا واهمين في تقديراتهم وساذجين في حساباتهم؟ وأنهم كانوا يفتقرون إلى قراءة واعية وعميقة لطبيعة الأنظمة السياسية القائمة، فعولوا على نتائج الانتخابات لوحدها باعتبارها المصدر الأقوى والأعلى الذي سيمنحهم شرعية الحكم، ويمكنهم من التربع على كراسي السلطة، مع غفلتهم الشديدة عن مدى هيمنة القوى الخفية المسيطرة على مفاصل الدولة، والمتحكمة في شؤونها؟

يندر أن تجد مُنظرًا إسلاميًا يتبوأ موقعًا قياديًا متقدمًا، يتحلى بشجاعة يُمارس من خلالها النقد الذاتي بصوت عال ومسموع، إذ أغلب ما يُقال في هذا السياق يُرجع أسباب الفشل إلى ضخامة الكيد المحلي والإقليمي والدولي ضد المشروع الإسلامي النهضوي، مع غض الطرف عن أسباب الضعف والقصور الذاتيين، ما يسهل وقوع الإسلاميين في حبائل الآخرين ومخططاتهم، من غير أن يشعروا بذلك أو يتنبهوا له.

الشيخ عبد الفتاح مورو، نائب رئيس حركة النهضة التونسية، طراز آخر من القيادات الإسلامية، فهو مفكر وفقيه، ومنظر وعامل، لا يتردد في نقد تجربة الإسلاميين في السلطة، بكل جرأة وإقدام، رافعا صوته بضرورة المراجعة والنقد في محافل الإسلاميين وغيرهم، مؤكدا أن مهاجمة الإسلاميين للآخرين لن تنقذهم مما وقعوا فيه، ولا يخرجهم من حالتهم الراهنة إلا نقدهم الذاتي لمسيرتهم، ومراجعتهم الجادة لمساراتهم واختياراتهم.

شارك الشيخ مورو في الأيام القليلة الماضية في مؤتمر "الإسلاميون والعلمانيون.. نحو رؤية توافقية لاجتياز مرحلة الانتقال للديمقراطية" يومي 4-5 يناير 2014 في العاصمة الأردنية عمان، الذي نظمه مركز القدس للدراسات السياسية، كما شارك مع المفكر والسياسي السوداني الصادق المهدي في ندوة بعنوان "مستقبل العالم الإسلامي بين التطرف والاعتدال" التي أقامها المنتدى العالمي للوسطية مساء الأحد (5/1) في مقره الرئيسي في عمان.

في كلتا الفعاليتين مارس الشيخ مورو نقدًا قاسيًا وشديدًا لتجربة حركته (النهضة) في السلطة، واعترف بأن الإسلاميين لم يكونوا قادرين على التمييز الزماني والمكاني بعد الربيع العربي، وأنهم أقدموا على تولي زمام السلطة، من غير أن يقوموا بتهيئة الإطارات المناسبة لتمكين التجربة وإنجاحها، كما اعترف بأن حركة النهضة حينما أقدمت على تولي السلطة لم تحسب للأمر حساباته الدقيقة والصحيحة.

وانتقد بشده ما أسماه توهم الإسلاميين من أنهم قد حازوا على الشرعية التي تؤهلهم لحكم البلاد، بعد حصولهم على أغلبية الأصوات الانتخابية عبر الصناديق، ما أدخلهم في حالة من الزهو الفارغ، وجعلهم يعولون على الشرعية الشعبية الواسعة، غافلين أو متغافلين عن افتقارهم لدعم القوى المتنفذة وتأييدها، المسيطرة سيطرة حقيقية على مفاصل البلاد وسائر شؤونها، والتي بإمكانها إلغاء نتائج الانتخابات، والانقلاب عليها كما في الحالة المصرية.

وأكد الشيخ مورو أنه لا يمكن اعتبار العملية الانتخابية، هي الإدارة الحاسمة لاختيار من سيحكم البلاد، ويتولى زمام السلطة فيها، في الوقت الذي تقبع في خلفيات المشهد قوى متنفذة هي صاحبة الكلمة العليا في تقرير من يكون مقبولا لأداء ذلك الدور، لافتا نظر الإسلاميين إلى عدم التسليم بالفكرة القائلة بأن الأغلبية الشعبية هي الضمانة الحقيقية لإنجاح التجربة، لأنها لا تغني شيئا عن المشروع الإسلامي حينما تقرر النخب السياسية والفكرية والفنية مواجهته وإفشاله.

وتساءل نائب رئيس حركة النهضة التونسية: ماذا كان بوسع الإسلاميين فعله إزاء تلك التركة الثقيلة التي خلفتها أنظمة الفساد والاستبداد؟ وما الذي يمكنهم القيام به بعد شيوع الفساد ورسوخه في كل مؤسسات الدولة، وهم لا يملكون أدوات السلطة الحقيقية؟ مبديا اعتراضه على إقدام الإسلاميين على تولي السلطة بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية في المرحلة الانتقالية.

بدا واضحا من أحاديث الشيخ مورو، أن الإسلاميين لا يمتلكون نظرية ناجزة لإدارة الدولة وتولي شؤون الحكم، وخاضوا تجربة السلطة في تونس ومصر وفق تقديرات موهومة، وحسابات غير واقعية، فأحدثت لهم التجربة في مآلاتها حالة من الصدمة والذهول، دفعت رمزا كبيرا من رموزهم كالشيخ مورو إلى رفع الصوت عاليا، لدعوتهم إلى إعادة الاعتبار من جديد لوظيفتهم الأساسية والمركزية المتمثلة في الدعوة والتربية، نظرا لعدم جدوى العمل السياسي في ظل المعادلات القائمة محليًا وإقليمًا ودوليًا، والتي تشي بعدم نجاح أية تجربة سياسية يخوضونها في المدى المنظور.