A+ A-
كتاب يكشف ملامح الصراع بين التيارات الإسلامية

المصدر: موقع صحفي الاخباري

التاريخ: 2005-05-07

يمثل كتاب "نحو خطاب إسلامي ديمقراطي مدني" (الصادر مؤخراً عن مركز القدس للدراسات السياسية، في عمان) أحد أبرز الأدبيات العربية التي تتناول قضايا حساسة وحيوية في الخطاب الإسلامي المعاصر، كالموقف من الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة وحقوق المرأة وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وقضايا فقهية مرتبطة بالقوامة والميراث والعلاقة بين الرجل والمرأة، وقضايا فكرية وسياسية حول العلاقة مع الغرب وإشكالية التفريق بين مفهوم الجهاد والإرهاب والمقاومة.

الكتاب هو محصلة أعمال مؤتمر عقده مركز القدس بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور في عمان بالعنوان نفسه (بين 27-29 أيار 2006)، وما تخلل المؤتمر من أوراق عمل عديدة ومتنوعة، تناولت الموضوعات السابقة جميعها، بالإضافة إلى البيان الختامي وتوصيات المؤتمر.

من الواضح من عنوان الكتاب أنّ هنالك أهدافاً محددة وراء هذا الجهد الكبير تتمثل أولاً في أن هنالك اهتماماً إعلامياً عالمياً وتركيزاً دائماً على التيار الإسلامي "المتطرف" أو المتشدد، إذ يظهر وكأنه صاحب السطوة والغلبة في الظاهرة الإسلامية، في حين ثمة تجاهل للتيار الآخر الذي يقدم خطاباً ديمقراطياً مدنياً مختلفاً. في هذا السياق يسلط الكتاب الضوء على خطاب التيار الديمقراطي ومقولاته، لتقديم الوجه الآخر أو النموذج المقابل للنموذج المتشدد في الظاهرة الإسلامية.

من ناحية أخرى، وعلى الرغم من وجود مجهود فكري- إسلامي واضح في تأصيل خطاب مدني ديمقراطي والقيام بعملية تجديد وتطوير للرؤية الإسلامية، إلاّ أن هذا التيار مشتت الأوصال، لا صلة بين أبنائه، ولا تبادل أو إفادة بين التجارب المختلفة والمتنوعة، فكل يعمل على شاكلته وفق ظروفه، دون إطلاع كاف على تجارب ومواقف ومشكلات الآخرين ودون تبادل للخبرة في ظل ظروف اجتماعية وثقافية وسياسية متباينة ومختلفة يعيش فيها المسلمون، فالحالة الماليزية تختلف شروطها عن الحالة الاندونيسية، وكلتاهما تختلفان عن الهند، بينما تمثل الأقليات المسلمة في الغرب موضوعاً آخر مختلفاً، على الطرف الآخر؛ الشرق العربي الإسلامي أيضاً له تجربته ومشكلاته وقضاياه. لذلك كان حرص المؤتمر على بناء جسور تواصل بين الباحثين والمهتمين والناشطين - في هذا التيار- من مختلف التجارب والدول والمجتمعات لعله يكون همزة وصل وتواصل مستقبلي لهذا التيار.

على ما سبق ليس مفاجئاً أن يكون الباحثون والكتاب والسياسيون الذين شاركوا في المؤتمر - من مختلف الدول والمجتمعات والجاليات الإسلامية- ينتمون إلى مدارس فكرية وسياسية إسلامية متقاربة بينها قواسم مشتركة أبرزها: إيمانها بالديمقراطية والمدنية وضرورة تجديد الخطاب الإسلامي والبعد عن العنف في إدارة الصراع الداخلي في الدولة والمجتمع.

تتعدد فصول الكتاب وتتنوع القضايا المثارة والتجارب المطروحة، من بحث موضوعات الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان والإشكاليات الفكرية والفقهية المرتبطة بهذا المجال، إلى تقديم تجارب مختلفة للتيار الإسلامي في العديد من الدول والمجتمعات (الهند، ماليزيا، اندونسيا، اوروبا، إيران، السعودية، العراق، مصر، المغرب وغيرها).

ما يلفت الانتباه بحق ويستدعي الملاحظة ويشكل عموداً فقرياً لمختلف فقرات الكتاب ومواضيعه على تنوعها هو حضور سؤال "الصراع" في أغلب التجارب والحوارات الإسلامية بين التيار المنفتح البراغماتي والتيار المتشدد بتجلياته المختلفة. هذا الصراع يتحدث عنه أولاً سيد محمد رضا خاتمي، شقيق محمد خاتمي الرئيس السابق للجمهورية الإيرانية وأمين عام حزب جبهة مشاركة، إذ يميز رضا خاتمي بين تيارين: الأول يطلق عليه "الإسلام التقليدي" والثاني "الإسلام المعاصر"، وكأنه يعكس في رصده وتحليله للخلاف بينهما أوجه الصراع القائم اليوم بين المحافظين والإصلاحيين في إيران، فالتيار التقليدي يرى أنّ "المراسم الدينية" - التي تعرف على أنها الأحكام الشرعية- هي ثابتة ليست متغيرة، وأنّ حرية تغيير الدين غير مقبولة، وللحكومة طبيعة دينية. أمّا التيار المعاصر فتعامله مع النصوص الشرعية يكون وفقاً لإدراك شروط الزمان والمكان، يؤمن بالمساواة القانونية بين المواطنين، وبعدم تدخل الحكومة في حياة الناس الخاصة، فضلاً عن أنّ شرعية الحكومة مرتبطة بدرجة رئيسة بتأييد الناس لها سواء في مرحلة التأسيس أو العمل.

في التجربة الأندونسية يتجلى الصراع واضحاً وقوياً بين التيارين الإسلامي الأصولي والإسلامي الليبرالي، يرصد ذلك د. شافعي أنور (مدير المركز الدولي للإسلام والتعددية في أندونسيا) في دراسته القيّمة "الإسلام السياسي والديمقراطي في أندونسيا التحديات والفرص"، إذ يفرّق الباحث بين اتجاهين فكريين الأول يطلق عليه "الاستثناء القانوني" ويغلب الجانب السياسي والنصوصي- الأيديولوجي ويقوم على المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، والثاني "الاستثناء الموضوعي" وهو أقرب إلى البراغماتية والواقعية وترك خيارات النظام السياسي للتوافق العام، مع الحفاظ على "الروح الأخلاقية الإسلامية".

ينعكس الاتجاهان السابقان في الحياة الثقافية والسياسية الأندونسية من خلال حركتين وائتلافين إسلاميين متعارضين؛ يتمثل الأول فيما يطلق عليه الباحث بالإسلام الراديكالي المحافظ أما الثاني فهو الإسلام التقدمي التحرري. الاتجاه الأول يبرز من خلال حركات الإسلام السياسي، التي تطالب بتحكيم الشريعة الإسلامية وجعلها القانون الأساسي في البلاد، وتحتفظ بمواقف متشددة في مسائل الأقليات والأديان الأخرى وأقل اكتراثاً بالانفتاح السياسي. ويتمثل هذا التيار بالأحزاب السياسية الإسلامية والعديد من الجمعيات التي نشطت وبرزت خلال فترة التسعينات وشاركت في الحياة النيابية، دون أن تحصل على أغلبية أو تقترب منها، لكنها في المقابل تسعى إلى تحكيم الشريعة الإسلامية وفرض أحكامها على مختلف البلاد، على الرغم من التنوع الديني والعرقي الواسع في البلاد.

لا يكترث تيار الإسلام المحافظ الراديكالي بالتجديد والاجتهاد ويركز على الجوانب السياسية، ولديه موقف متحفظ في مسائل التعددية والمساواة بين الجنسين والحرية الدينية، كما هو عليه الحال عندما أفتى مجلس العلماء الأندونيسيين عام 2005 بأنّ "الأحمدية" ليست طائفة إسلامية وأنها خارجة على عقيدة الإسلام، ما تسبب بأزمة سياسية وأمنية ومواجهات سياسية بين الإسلاميين وبين الاتجاهات الأخرى.

على الطرف المقابل للإسلام الراديكالي، تأسست حركة من "الإسلاميين التحرريين" عام 2001، تقدم خطاباً فكرياً وسياسياً مناقضاً في كثير من الجوانب للإسلام الراديكالي، بل ويصل إلى مرحلة الاستفزاز، فردّاً على مطالبة الإسلاميين المحافظين بتطبيق الشريعة الإسلامية، يطالب الإسلاميون التحرريون بعدم تطبيقها! ويذهب أحد كتابهم وهو زهيري ميسراوي (خرّيج جامعة الأزهر) إلى أنّ الشريعة هي منتج ثقافي، أنشئت وفق شروط تاريخية، ولا يمكن نزعها عن خلفيتها الاجتماعية والثقافية.

بينما يرى أوليل ابشار عبدالله، منسق شبكة الإسلام التحرري، أنّ الدعوة إلى تطبيق الشريعة هي دعوة إلى الكسل الذهني وعدم القدرة على التجديد وعلى استنطاق النصوص القرآنية لإيجاد حلول واقعية ومعاصرة للأزمات والمشكلات الحالية.

ثمة مقاربات فكرية متعددة للتيار التحرري متباينة تماماً مع خطاب التيار المحافظ، بخاصة في مسائل التعددية الدينية والجندر وقضايا فقهية ودينية أخرى، ما ولد مواجهة فكرية وسياسية وإعلامية واسعة بين التيارين، انتقلت إلى الشارع في بعض الأوقات، وبلغت حدة الصراع إلى تكفير المحافظين بعضاً من رموز التيار التحرري واتهامهم بالردة والخروج عن الإسلام.

حالة الصراع والخلاف بين الإسلاميين تبرز أيضاً عند الجاليات المسلمة في الغرب، بالتحديد في أوروبا، ويرصد ذلك غانم جواد، من مؤسسة الخوئي في لندن، في ورقته "الإسلام الليبرالي: حراك الإسلام في الغرب"، التي يميز فيها بين تيارين إسلاميين في الغرب؛ الأول التيار الأصولي المنغلق، الذي يرى في الغرب محلاً للجوء السياسي، كان آمنا في الماضي، لممارسة نشاطات فكرية وسياسية، يحمل روحاً عدائية للغرب، ويقوم أنصاره بأعمال دموية (كما حدث في تفجيرات لندن ومدريد وباريس) يرفضون الاندماج في المجتمعات الغربية.

على الجهة المقابلة، هنالك تيار الإسلام الليبرالي، الذي يحمل روحاً تصالحية إيجابية مع العديد من القيم الغربية، يمتاز بالانفتاح الفكري والفقهي، ويسعى إلى التجديد وإلى حلول معاصرة واقعية لمشكلات المسلمين، ويدفع باتجاه اندماج وانخراط الجاليات المسلمة في الحياة الغربية.

من جهته يقدم د. أحمد الموصلي في ورقته "مستقبل الخطاب الإسلامي في ظل الديمقراطية" تفريقاً بين تيارين إسلاميين على الصعيد العام؛ الأول هو المتشدد والمنغلق الذي يرفض الانخراط في العمل السياسي الديمقراطي، ولديه موقف سلبي من التعددية والحريات والأحزاب السياسية الأخرى، أما التيار الثاني فهو التيار المعتدل الذي يعلن قبوله بالديمقراطية والتعددية.

ثمة أبحاث وأوراق أخرى عديدة متنوعة وتحتوي على إضافات مميزة؛ إذ يؤكد السيد هاني حفص في ورقته "الدين والدولة إشكالية أم مشكلة" أنّ هنالك إشكالية وأزمة بنيوية في الفكر والخبرة الإسلامية في تعريف وتحديد العلاقة وخطوط الاتصال والانفصال بين الدين والدولة، فيما يتناول الباحث السوري عبد الرحمن الحاج في دراسته "مفهوم الدولة الحديثة وإشكالاتها في الفكر الإسلامي السياسي المعاصر" المنظورات المتعددة والقراءات المتباينة داخل الخطاب الإسلامي المعاصر لسؤال الدولة الحديثة، أما الباحث السعودي زكي الميلاد فيقدم رصداً لتطور موقف الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر من موضوع الديمقراطية، على الجهة المقابلة يتوقف منصور النقيدان عند الأسباب والشروط التي أدت إلى صعود حركة العنف والتطرف في السعودية.

أمّا الباحث محمد أبو رمان فيقدم في ورقته "إدماج الإسلاميين في السياسة العربية" قراءة تحليلية في الحالة الراهنة في العلاقة بين النظم السياسية والحركات الإسلامية ودور العامل الخارجي في التأثير على هذه العلاقة وعلى مسار الإصلاح السياسي.

الباحث امتياز أحمد يقدم ملخصاً للتجربة الهندية في التعايش الديني وفي علاقة المسلمين بغيرهم في ورقته "المشاركة الإسلامية في دولة ديمقراطية علمانية"، مخالفاً كثيراً من الانطباعات والمقولات السابقة حول التجربة السياسية الهندية وطبيعة النظام السياسي بخاصة تأكيده على الطابع العلماني للنظام، والنسق الثقافي التسامحي العام، وطبيعة الوجود الصوفي الإسلامي في الهند.

بالإضافة إلى هذه الأوراق هنالك أوراق وأبحاث أخرى تتناول تأصيلاً لقضايا الحريات وحقوق الإنسان والتعددية الفكرية والسياسية والدينية، وتناولاً مختلفاً لبعض القضايا الفقهية المتعلقة بالمرأة وحقوقها والأقليات وغيرها من موضوعات.

لم يجانب الصواب الصديق والزميل عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات، الذي أشرف على هذا الجهد الهائل، عندما وصف هذا المؤتمر بأنه "مغامرة"، وقد تكون بالفعل المرة الأولى التي يجتمع فيها عشرات من الخبراء والعاملين والكتاب والسياسيين يمثلون تجليات وألوانا مختلفة لتيار إسلامي يشترك في العديد من المقولات الفكرية والسياسية من دون أن يكون هنالك إطلاع مشترك ومتبادل على الخبرات المختلفة، وقد تكون المفاجأة الكبرى – التي تجلت في أوراق المؤتمر ومناقشاته- أنّ الجميع يخوض معركة تكاد تكون موحدة لكن بعناوين ومفردات ومقتضيات مختلفة مع الوجه الآخر للإسلام السياسي الذي – على النقيض من هذا التيار- نجح أبناؤه وأنصاره في بلورة خطاب عالمي مشترك، بل ثمة تواصل كبير بين أبناء التيار الآخر وتبادل للمعلومات حتى على صعيد الخبرة العسكرية والأمنية من خلال شبكة الانترنت.

يبقى أنّ السؤال الذي لم يجب عنه هذا الكتاب والمطروح على دعاة "الخطاب الإسلامي الديمقراطي- المدني": لماذا يكتسح التيار المتشدد والإحيائي أو المحافظ الساحة الشعبية ويسود في المجتمعات العربية والمسلمة اليوم، بل وفي وسط الأقليات المسلمة هنا وهناك، بينما يعاني الخطاب الذي نقرأه في هذا الكتاب من معضلة النخبوية ومحدودية الانتشار؛ هل يعود ذلك للشروط الموضوعية أم الذاتية أم كليهما؟