A+ A-
هل يفرغ الشرق من مسيحيّيه؟

المؤلف: نادين النمري

المصدر: موقع رصيف

التاريخ: 2015-10-27

خبية أمل كبيرة عاشها مسيحيو الموصل المهجّرون من بلادهم بعد لقائهم برئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس. كانوا يأملون من هذا اللقاء، الذي تمّ منتصف الشهر الجاري في الأردن، الحصول على وعد فرنسي بإعادة توطينهم في فرنسا، لكن تصريحات المسؤول الفرنسي جاءت عكس ذلك تماماً.

وقد حثّ فالس هؤلاء المهجرين إلى التمسك بالمنطقة، وقال لهم: "المسيحيون في الشرق الأوسط جزء أساسي من المنطقة، ويجب أن لا يغادروها تحت أي ظرف. فهذه المنطقة مباركة وهي منبع الأديان". تصريحات أثارت استغراب المهجّرين، فكيف يمكن أن يتمسكوا بمكان وثقافة يرفضانهم، وهل بقيَ لهم في الشرق وطن؟

ليس فالس أول من تحدّث عن أهمية الوجود المسيحي في الشرق، وخطر هجرة المسيحيين. فطالما حذّرت الزعامات الكنسية من إفراغ الشرق من مسيحييه، وتمسّكت بضرورة إيجاد الآليات للحفاظ عليهم وعلى وجودهم. لكن ما الذي يدفع المسيحيين إلى الهجرة، وهل فعلاً باتت المنطقة أقل تسامحاً وتقبلاً للتنوّع؟ وهل ارتبطت هجرة المسيحيين بالربيع العربي أو هي تعود لعقود مضت؟

في هذا السياق، يقول مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي إن "أسباب هجرة المسيحيين والأقليات بشكل عام، تعود إلى عجز الدول العربية الحديثة عن إقامة الدولة المدنية الديمقراطية لجميع أبنائها ومكوّناتها". وأضاف: "عانى المسيحيون والأقليات من التسلط والتمييز. مقابل ذلك، وخلال الأعوام الأربعين الماضية، امتدت موجة سلفية متطرفة في المنطقة، وبدل أن تتصدى لها الأنظمة، عملت على منافستها في الترويج لشرعية دينية، من خلال أسلمة المناهج المدرسية والتشريعات والقوانين التي تحكم الدول، ما مسّ الحقوق المدنية للأقليات".

وأشار إلى أن "هذا التدهور في الحقيقة سابق لظهور الربيع العربي، وبدأ مع الحرب الأمريكية على العراق عام 2003، فبدأنا نشهد موجات هجرة العراقيين المسيحيين، ليبلغ عددهم أكثر من مليون مسيحي اليوم. وفي سوريا، فشلت المعارضة في تقديم خطاب مطمئن للأقليات، وتحوّلت غالبية المعارضة إلى الأسلمة المتشددة". وتابع الرنتانوي: "حتى في الدول الأخرى كالأردن ولبنان ومصر والأراضي الفلسطينية، هناك خطر وجود المسيحيين الذين يتوجهون إلى الغرب. نحن اليوم أقل تسامحاً. نعم هناك تهديد بأنّ الشرق سيخلو من مسيحييه". وقال: "يجادل البعض أنّ الكنائس والكهنة سيبقون، لكن ما نريده هو أن يكون المسيحيون مكوّناً حقيقياً في المجتمع، كما كانوا على مدار التاريخ، وليس مجرد عناصر في متحف يتحدث عن تاريخ المنطقة".

وأكد الكاتب الأردني باسل رفايعة مع الرنتاوي أن "الدول العربية لا تحترم حقوق المواطنة، ولا تتبنى قوانين تحدّ من التمييز بين المواطنين، ما يجعل الأقليات المسيحية متضرّرة بشدة. والتحالف التاريخي بين الأنظمة العربية وجماعات الإسلام السياسي، أدى حكماً إلى هضم حقوق المسيحيين". وأوضح أن "الوضع أشد سوءاً في العراق. مع تأسيس نظام إرهابي هو دولة الخلافة الإسلامية، يتعرّض المسيحيون لكارثة إنسانية، يُقتلون ويجبرون على دفع الجزية، ويهجّرون من بيوتهم. من حق مسيحيي الموصل أن لا يثقوا بالغرب عموماً، فالقول إنّ عليهم التمسك ببلادهم من دون الضغط على الحكومات لتواجه التمييز ضدهم، كلام فيه الكثير من الجهل بظروف المنطقة".

ورأى أن "الوضع في لبنان أفضل قليلاً تبعاً لمبدأ تقاسم السلطة، في حين يتعرّض الأقباط في مصر لازدراء ثقافي واجتماعي، ويُتهمون بالارتباط بالغرب. أما في سوريا، فيتناقص عدد المسيحيين منذ الستينيات بسبب الاستبداد السياسي، والمخاوف من سيطرة الحركات الإسلامية على الحكم، تعبيراً عن القمع السياسي، وهم أكثر مسيحيي الشرق الأوسط هجرة، بينما يبقى الوضع في الاْردن أفضل نسبياً".