A+ A-
الأردن في بيئة إقليمية ودولية متغيرة – نظرة عامة

2020-02-08

الحضور الكرام
أحييكم واحيي بالطبع الرجل المثابر الذي يقف وفريق عمله خلف هذا المؤتمر الصديق عريب الرنتاوي ومركز القدس للدراسات السياسية، فلطالما عمل جاهداً على طرح الأسئلة وجمع الناس ليتحاوروا حول قضايانا الشائكة..
وأقدم شكري إلى مؤسسة كونراد أديناور
لكم مني جميعا خالص الشكر والامتنان..

السيدات والسادة..
حين وردتني الدعوة الكريمة للمشاركة في هذا المؤتمر كنا جميعاً نجلس على دكة الإنتظار لمعرفة تفاصيل ما يعرف بــ “صفقة القرن”، وكنت كغيري من المواطنين لا أعرف على وجه اليقين إلى أين ستقدونا تلك الصفقة التي أعلن عنها في احتفال كان أشبه ما يكون بالإحتفال الانتخابي بين الرئيس الأمريكي ترامب، وبنيامين نتنياهو، وبالنتيجة فقط كان مساء الثامن والعشرين من يناير الماضي مساءا حزيناً بالنسبة للفلسطينيين، وللاردنيين على حد سواء.في ذلك المساء، دخل الإقليم، وربما العالم بأكمله في حقبة تاريخية متغيرة. ولا أغالي إذا ما قلت أن تداعيات هذا القرار سوف تصل إلى زوايا بعيدة من العالم، ولن يظهر أثرها حالا، بل ستبقى وتتفاعل وتدمر تماما كما حدث عندما صدر وعد بلفور وسايكس بيكو وزيارة السادات للكنيست وكامب ديفيد. وحتى نستوعب هذا الافتراض، فما علينا إلا أن نقرأ تاريخ الحركة الصهيونية منذ مؤتمر بازل عام 1897 حتى يومنا هذا وكيف سرقوا فلسطين بشكل ممنهج . وسوف يسرقون بلداناً عربية عديدة اقتصادياً وإنسانياً وثقافياً.

إن الاستقطاب العالمي وتنوع المصالح الذي نراه يتكون أمامنا، ربما نراه في وقت ليس ببعيد يضعف مفهوم حوار الحضارات ليصبح ويؤدي إلى نزاع بين الحضارات .أيضاً ذلك المساء دخل الإقليم بكامله في مرحلة متغيرة، فقد أخرجت أمريكا نفسها وأمام العالم اجمع من كونها الراعي غير المنحاز لإسرائيل وتحولت لتصبح أداة لصياغة مجد الإحتلال، وهذا ما دفع بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في ذلك المساء ليعلن رفضه لوجود امريكا في أي جهد إلا إذا كان ضمن وجود دولي تقوم به الدول الأربع الكبرى لكنه لن يقبل أن تكون واشنطن وحدها..وفي ذلك المساء كان سفراء ثلاث دول عربية خليجية يحضرون احتفال ولادة صفقة القرن وإعلان القدس عاصمة غير مجزأة للاحتلال الاسرائيلي، لقد كان حضور سفراء البحرين وسلطنة عُمان والامارات صورة واضحة المعالم تفضح التغير الذي يشهده الاقليم.وقبل ذلك المساء كان الأردن يعلن رفضه “لصفقة القرن” قال الملك “كلا..” للصفقة، وظل على موقفه مطالباً بحل الدولتين في الوقت الذي أطلق فيه ترامب رصاصة الموت الأخيرة على “حل الدولتين” وعلى أي أمل لقيام دولة فلسطينية مستقلة أكدت عليها كل قرارات الشرعية الدولية من خلال عشرات القرارات التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو عن مجلس الأمن.

السيدات والسادة…
ما أشرت اليه سابقا أرى فيه مُدخلاً تأسيسيا لما نبحثه هنا حول الأردن في بيئة إقليمية ودولية متغيرة.. ولعل السؤال الأبرز هنا هو كيف تغيرت معطيات الإقليم؟ وما الذي تغير؟ وما الذي تغير دوليا وكيف تغير؟ والى أين نذهب نحن في الأردن؟ وما الذي يتوجب علينا فعله لنواكب هذا التغير؟ وهل نحن مستعدون للتغير؟..الخ..

لقد ظل الأردن تاريخيا يرتبط بعلاقة الوجود مع فلسطين، ففي الوقت الذي ولد الأردن فيه كإمارة قبل نحو 100 سنة مضت كانت القضية الفلسطينية تولد هي الأخرى كقضية شعب يناضل ضد الهجرة اليهودية، وضد وعد بلفور وتعهدات بريطانيا باقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.منذ تلك اللحظة لم يستطع الأردنيون والفلسطينيون الخروج من عباءة وحدة الوجود ووحدة المصير المشترك مروراً بكل سنوات ولحظات الشد والجذب، والخلاف والتصالح، والتفاهم والتنافر، ومن هنا لا يمكن بالمطلق نجاح أي فصل تعسفي بين الفلسطينيين والأردنيين، شعبا ودولة، وظل الأردن عبر مئة سنة مضت وهو يرى في فلسطين قضيته المركزية، ولا اعتقد بالمطلق أن يدير الأردن ظهره للقضية الفلسطينية وللفلسطينيين، وهو هنا يدفع ثمنا باهظا لأن قدره الجغرافي والسياسي والإجتماعي والديني هو الذي يعمل على تعزيز تلك العلاقة المصيرية والوجودية بينهما.وسيكون الأردن في موقف حرج للغاية في كل الحالات أن نتعامل مع الخطة بإيجابية أو بسلبية أو حتى بالوقوف على الحياد فكل من هــذه الحالات سوف تترتب عليه قبول أمور لا تتماشى مع مصالحه أو أمنه الوطني.

حالة الأردن في الإقليم:
تأسيساً على ما سبق فإن نظرة عجلى لحالة الأردن في الإقليم تكشف لنا عن المدى الذي وصلنا اليه ونعيشه اليوم أمام مراكز قوى تتشكل، واوضاع اقتصادية صعبة، وفقداننا الواضح للتأثير، وجغرافيتنا التي تحكمنا تأثيرا وتأثرا..في العقود السابقة ظل الأردن يتمتع بعلاقات وطيدة مع دول المنطقة والإقليم، والجيران، كان اعتماده السابق على المعونات المالية التي تقدمها دول الخليج، وعلى الدعم السياسي في أحيان عديدة، إلا أن هذا الوضع يتغير باستمرار..فلم يعد الأردن بالنسبة لدول الخليج الدولة الشقيقة التي تحظى بأولوية بالدعم السخي، وأصبحت لدول الخليج منظومتها السياسية الجديدة التي لم تعد تنظر للأردن كلاعب رئيسي في المنطقة وتحديدا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، لأن القضية الفلسطينية تراجعت لخطوات عديدة للخلف في جدول أعمال واهتمامات تلك الدول.ولا أعتقد هنا أن مسألة دعم وتأييد دول الخليج “الحليف التقليدي للأردن” لصفقة القرن يقف عند حدود تلك الدول الثلاث.يقف الأردن اليوم أمام تلك التغيرات وهو في وسط إقليم ملتهب بالصراعات الداخلية، وهو يدرك تماما حجم خساراته الباهظة، ففي الشرق يعاني العراق من صراع طائفي والمواجهة بين ايران والولايات المتحدة مع أخذ مكانها على ارض العراق. وبالرغم من سلسلة اتفاقيات اقتصادية بين عمان وبغداد إلا أن هذه الاتفاقيات لا يزال تطبيقها في الحد الأدنى خاصة ما يتعلق منها باستيراد النفط، او بفتح الأسواق العراقية أمام المنتجات الأردنية. ويبدو أن العراق سوف يبقى بؤرة ملتهبة لفترة طويلة .وفي الشمال لا تزال سوريا خارج الاهتمامات الأردنية الرسمية لإعادة تنشيط العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين البلدين، هناك تشتعل الحرب على الإرهاب منذ تسع سنوات، وأصبح المجال السوري بكامله ساحة حرب مفتوحة للدول الطامعة بفرض صوتها وقوتهاومصالحها في الإقليم، هناك ايران، وهناك تركيا، وهناك أمريكا، وهناك أيضا الداعمون الخليجيون، وهناك روسيا، وبالرغم من انخراطنا غير المعلن في الأزمة السورية فقد اختار الأردن موقفاً قد يؤدي إلى إضعاف علاقاتنا مع سوريا اقتصاديا وسياسياً.

وفي الجنوب الأردني لا تبدو العلاقات الأردنية السعودية في أحسن حالاتها، تغيير في أولويات السعودية تظهر في عهدها الجديد التي تحكم عمان والرياض هذا الأوان، ولكن يكفيني التأشير إلى التراجع الكبير في دعم السعودية للأردن، وهي كافية لتقييم جزء من العلاقة التي تحكم البلدين.وفي الغرب يقف الإحتلال الإسرائيلي الذي ألقى بمعاهدة السلام مع الأردن خلف ظهره، وظل الأردن يعيش حالة من السلام البارد، في الوقت الذي لا يزال فيه الإحتلال يدفع بالمزيد لتأزيم العلاقة مع الأردن، وما قرار اعتبار القدس عاصمة غير مجزأة لإسرائيل إلا انعكاسا لتلك الحالة التي أظهرت عدم اكتراث الاسرائيليين بالمحافظة على السلام لا مع الأردن ولا مع الفلسطينيين.هذه صورة مجتزأة للغاية لخارطة الاقليم وللصراعات التي تشتعل تحت المقاعد، وحتى الحليف الإستراتيجي التاريخي للاردن لم يعد مكترثا تماما بمصالح الاردن ومستقبله ودوره في مجاله الحيوي في الاقليم، فواشنطن نفسها لا تبدو أن لديها الرغبة الواضحة في تحقيق التوازن في مصالحها في المنطقة والاقليم، واختارت الانحياز المطلق للاحتلال الاسرائيلي على حساب المصالح الفلسطينية والأردنية، بل وعلى تخليها عن كل قواعد الشرعية الدولية والقانونية الدولية وداست على كل الجهد الانساني لاحترام حقوق الدول وحقوق الانسان. ولم يعد لدى الأردن ما يفعله غير التمسك بحل الدولتين، واقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 والقدس الشرقية العاصمة للدولة الفلسطينية..الخ.. وهو الموقف السليم الصحيح والثابت. وبعد كل ما حدث يبقى تسآل حقيقي كبير هل لا زال ذلك ممكناً ؟؟


السيدات والسادة…
ظل الأردن تاريخيا يدرك حجمه ودوره ومدى تاثيره وحجم قوته ولهذا انتهج سياسة مسك العصا من وسطها، وظل محافظا على نقطة التوازن هذه التي كان الملك الحسين رحمه الله أعتقد أنها السياسة الأكثر نجاعة في حماية الأردن من عواصف التغيرات والانقلابات في المنطقة في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم وما تبعها من تغيرات ومنعطفات حادة أثرت طويلا على المنطقة والإقليم وقضاياه الاستراتيجية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.تلك السياسة الوسطية لم تسمح للأردن أن يكون عامل تغيير حقيقي في المنطقة، وبالرغم من أن تلك السياسة حمت الأردن من التغيرات الواسعة إلا أنها حرمته من كونه عامل تغيير وتأثير، وظل في كثير من المفاصل الكبرى متلقيا وليس مرسل وبقي دوره في الموضوع الفلسطيني قائماً وظلت فلسطين عنوان فعله وقوة تأثيره، وللحقيقة فإن الدور الذي قام الأردن به في خدمة الفلسطينيين قضية وشعبا لا يمكن نكرانه او التشكيك فيه..

ولكن هل تبدلت الصورة اليوم؟؟
سؤال يبدو واجب الطرح هذا الأوان، فاسرائيل التي تستكمل مشروعها بيهودية الدولة، والقدس العاصمة الموحدة غير المجزأة، وضم الغور، والتوسع في المستوطنات وضمها وقضم الاراضي الفلسطينية لا تبدو بحاجة ماسة للتمسك باتفاقية وادي عربه، تماما كما فعلته باتفاقية أوسلو مع الفلسطينيين، فاسرائيل اليوم تعيش سلسلة انتصارات ناعمة لم تكلفها رصاصة واحدة، ويتمثل ذلك في التوسع في العلاقات الاقتصادية والسياسية وحتى الأمنية مع بعض دول الخليج العربي، ولم يتردد نتنياهو في حفل الاعلان عن صفقة القرن من شكر تلك الدول واعتبارهم شركاء له.

هذه العلاقات الاسرائيلية الخليجية تعني وبالضرورة انها تتعارض مع موقف الأردن ومصالحه، كما انها ليست في مصلحة الفلسطينيين، وربما هذا ما يسمح للاسرائيليين اليوم وغدا للتوسع في تطبيع العلاقات مع غير دول الخليج العربي.نعم تغيرت كل المعادلات في الإقليم وليس لدى الأردن ما يفعله غير التمسك بتقوية داخله الأردني، وتمتين جبهته الداخلية، وإعادة بناء الدولة على أسس وقواعد جديدة ليواكب التغيرات في المنطقة والاقليم..ولا اظن أن الأردن الدولة والشعب لا يدركون تلك الحقيقة..فلم يعد الحليف الأمريكي يؤمن بدور فاعل للأردن في المنطقة والاقليم واظهر انحيازه المطلق للاحتلال الإسرائيلي دون النظر لمصالح الأردن الاستراتيجية وآمنه القومي، حتى مسألة الوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس أصبحت تحت السيطرة الاسرائيلية.إن أي تطورات للاحداث ومساراتها في الملف الفلسطيني سيتحمل نتائجه الفلسطينيون والاردنيون على حد سواء، وفي المدى المنظور فان الاسرائيلي لا يزال يؤمن بان حل القضية الفلسطينية يجب ان يكون في الأردن، فهذه هي العقيدة السياسية للاسرائيليين متدينين وغير متدينين، وما يهودية الدولة إلا جزءا من هذه العقيدة التي تريد دولة يهودية خالصة لا مكان فيها للعرب كمواطنين بل رعايا، وأي توسع اسرائيلي لن يكون الا على حساب الاردن.ولم يعد في البعد العربي من يتكفل بدعم الاردن ماليا وسياسيا، وهي الخاصرة التي يطعنون الأردن فيها، ويحاولون سحب البساط من تحت قدميه، ليقايضونه على مواقف وقرارات لن تكون أبدا في مصالحه الوطنية والقومية مما يضر بالسيادة الوطنية الأردنية وينتقص منها.

وأصدقاء الأردن في اوروبا لم يعد لهم هذا التاثير القوي في السياسة الدولية وتحديدا في القضية الفلسطينية، بما في ذلك روسيا التي تحاول جاهدة ملْ الفراغ في صناعة القطب العالمي الثاني، وبالرغم من ان الاردن يحظى برعاية مالية دعما وتمويلا إلا أن هذا الجانب لا يزال غير كافي .ودول الجوار الأردني في الشمال والشرق”العراق وسوريا” منشغلتان بمشاكلهما الداخلية ولا يملكان اية قوة أو تأثير في سياسات المنطقة والاقليم.الأردن لا يملك مقومات ردع متكافئة مع الاحتلال الاسرائيلي فان من يتحكم بمصير اتفاقية وادي عربة هم الاسرائيليون انفسهم الذين يظهرون علنا رغبتهم بادامة السلام مع الأردن، في الوقت الذي يعملون فيه على أكل الاتفاقية والتنصل منها.

السيدات والسادة…
وللأسف فإن الإقليم بكامله أصبحت تتنازعه ثلاثة مشاريع سياسية كبرى لها برامجها، وتمتلك قوة الردع العسكرية الكافية لتحقيقها على الأرض.هذه المشاريع هي المشروع الاسرائيلي الذي تعرفونه، والمشروع التركي الذي يعمل هذا الاوان لتجاوز الحدود والعبث بجغرافيا ليبيا لينطلق منها لتهديد الاقليم الغربي للعالم العربي، فضلا عما يجري في سوريا وفي شمال العراق، ثم المشروع الايراني الذي يتمدد في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ويبقي الحزام الشيعي النفطي في الخليج على دكة الانتظار لتحريكه والعبث به.واوروبا التي تبقى الأقرب إلى احتمال إدامة التعامل مع الأردن فإنها تغيرت هي الأخرى لكن بحدود تسمح بابقاء العلاقة مع الأردن ترتكز على مباديء وقيم الاحترام والدعم، وهذا ربما ما يجعل الأردن يفكر بالتقرب من حلف الناتو ويسمح بابقاء قوات عسكرية للناتو في الأردن دون الإعلان عن ذلك، لكن السؤال الذي يتوجب طرحه هو الى أي مدى يمكن للأردن البقاء على اجندة اوروبا كدولة تحظى بالرعاية والاهتمام وبالدعم؟؟.

السيدات والسادة..
لا يمكنني في تلك العجالة التوقف مطولا عند كل ما مررت عليه سابقا من ملامح للتغير الاقليمي، لكن يكفيني التأكيد على أننا في الأردن يجب أن نتغير، ويجب ان نواكب التطورات التي تشهدها المنطقة والاقليم والعالم، فقد تغير الحلفاء، وتغير الأصدقاء، وتغيرت الجغرافيا، وتغيرت الأفكار، وتغيرت موازين القوى، وتغيرت مصادر الردع، وتغير اللاعبون الرئيسيون، وتغير الخاسرون، وتغير الرابحون..والسؤال المهم الذي يجب ان نطرحه على انفسنا كاردنيين دولة وشعبا هو..
في هذه الظروف الصعبة وفي ضوء الوضع العربي المنهزم يجب أن نسأل ما الذي يتوجب علينا فعله لنلحق بالعربة الأخيرة في القطار ونحمي الأردن.

إليكم هذه القصة:
بغرض التشاور مع بعض الدول العربية، بدأت زيارة لدول المغرب العربي في نهاية آذار 1991 وكنت حينها وزيراً للخارجية . استقبلني الملك الحسن الثاني في قصر الصخيرات وحضر معه وزير خارجيته عبد اللطيف الفيلالي الذي أصبح فيما بعد رئيساً للوزراء.بدأت بشرح وضعنا في الأردن وما نعانيه من صعوبات بسبب حصارنا. فدخل الملك على شرحي وطلب مني إبلاغ رسالـــة إلـــى (ابن عمي) الملك الحسين محتواها ، إن الدنيا قد تغيرت بعد احتلال الكويت وان الأردن لم يعد قادراً على التمسك بمطالبته عقد مؤتمر للسلام تحضره الاعضاء الخمس دائمي العضوية في مجلس الأمن وبوجود تمثيل للاتحاد الأوروبي ودول عربية اخرى وبرعاية الأمم المتحدة. وقال بان أمريكا لن تقبل بذلك أبداً .وأفهمني الملك الحسن إلى أن قطار التسوية سوف يسير في كل الأحوال ، فإما أن نصعد القطار في هذه المحطة أو سيسير القطار بدوننا وسنبقى على الرصيف وحدنا .

هذا كلام جد خطير .غادرت الرباط في نفس اليوم إلى باريس حيث كان الملك حسين على وشك الوصول إليها . وأعلمته بتفاصيل ما حدث. وتم ذلك بحضور الأمير زيد بن شاكر والسفير الأردني عواد الخالدي. في اليوم التالي قابل الملك حسين الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران حسب ما كان مقرراً وكان معه وزير خارجيته رولان دوما ورافقت جلالته في اللقاء. تحدث الملك حول ضرورة تعامل الأردن تجاه الأحداث التي أشار الملك باختصار شديد مع ظروف المنطقة وأيد أننا لا يجب أن نبقى جامدين ويمكننا أن نجد بدائل ونبذل جهداً اكبر لإيجاد الحل العادل . ابتهج ميتران بهذا التغيير ورحب به ، وأبلغ الاميركان مباشرة بذلك. ولم أتحدث في ذلك اللقاء.في تلك الليلة قرر الملك الحسين تغيير البوصلة، وقرر تغيير اتجاهاتنا لأنه أدرك تماماً أن ما قاله الحسن الثاني. بشي بتغيرات كبيرة ومفصلية ويتوجب على الأردن أن يكون في قلبها، وهي قصة لا أريد الخوض في تفاصيلها الأن .
أقف عند هذا الحد واترك لفهمكم الاجابة على السؤال.
والسلام عليكم .


* ورقة عمل قدمت في مؤتمر( الأردن في بيئة إقليمية ودولية متغيرة.. سيناريوهات المرحلة المقبلة )، والذي نظمه مركز القدس للدراسات خلال الفترة 8 - 9 شباط/ فبراير 2020، في الاردن- عمان