A+ A-
سوريا أولا
لغة الكتاب : العربية
تاريخ الإصدار : 2005
اغلب المؤشرات تفيد أن مرحلة التوتر، والاستقطاب الحاد في منطقة الشرق الاوسط، اخذة بالتراجع، بعد مشاركة سورية في مؤتمر انابوليس الذي دعا اليه الرئيس بوش، والتقرير الاستخباري الامريكي حول عدول ايران عن القنبلة عام 2003، وهو التقرير الذي اثار استياء الرئيس بوش، واظهر ادارته في العام الاخير انها بطة عرجاء كما درج بعض الامريكيين على تسميتها.
وفيما يرجح أن تضعف فرص الحرب في المنطقة خلال العام الاخير للرئيس بوش، الا أن حالة الترقب والتشكك هي السائدة لدى اوساط المتابعين، لما ستتفتق عنه تحركات الادارة الامريكية، فتراجع مؤشرات الحرب لا يلغي امكانية ان تقوم امريكا بتوجيه ضربة اسرائيلية لايران على شاكلة الضربة التي تلقتها سورية في 6 ايلول/ سبتمبر الماضي.
وعلى اية حال فقد جرى خلال الفترة القليلة الماضية، فك اسر الدبلوماسية السورية بعد عزلة عربية ودولية، ولكن على الارجح فإن هذا الفك لا يزال مرتهنا لجملة متطلبات على دمشق تنفيذها وخصوصا في الملف اللبناني، فغلاة المحافظين في الادارة الامريكية مثل اليوت ابرامز، يخشون من أن تخفيف الضغط الامريكي، بما في ذلك الدعوة الى انابوليس، سيشجع السوريين على مواصلة سياسة اللعبة المزدوجة.
ونظرا لان الدبلوماسية السورية عريقة في انتهاز الفرص، على قاعدة ادراك آهلية المكانة والمكان السوري في الاقليم، فإن اي تنازل من دمشق لن يكون مجانيا، وهو ليس على تلك الخشية من السقوط بعد عزلة عامين سقوط النظام العراقي، وعلى خلفية اغتيال الحريري، وهو مصر على ان التنازلات يجب ان تكون مقابل الاعتراف بمصالح النظام القائم سواء كان هشا ام متينا، انطلاقا من حقيقة تاريخية لا مناص من ترديدها، وهي كما انه لا حربا بدون مصر فإنه لا سلام بدون سورية.
وايضا فإن مسألة حسم اتجاه البوصلة السورية بمشاركتها في مؤتمر انابوليس لا يزال مبهما، وهي المشاركة التي ووجهت بعتب من حلفاء دمشق، ولكن هذه الاخيرة سارعت لتبديد مخاوف حلفاءها باكثر من تحرك او تصريح، ما يدلل على عدم وجود صفقات تحت طاولة انابوليس كما شكك الزعيم الدرزي وليد جنبلاط. فقد جرى الحديث عن ان النظام يراهن على النفاد بجلده في العام الاخير للرئيس بوش، على قاعدة مقايضة المصالح، وانه اقتنص فرصته فيما يمكن تسميته بـ "خريطة طريق" خطتها أطراف دولية مثل فرنسا وإقليمية مثل الأردن تتضمن اخذ مصالح سورية الوطنية في الحسبان، لقاء إقدام دمشق على سياسات لا تختلف في العمق مع المصلحة الوطنية، بل تتبع أسلوباً مختلفاً.
ويميل متابعون للأخذ بأن مرحلة ما بعد مؤتمر انابوليس ستكون مرحلة غض الطرف الامريكي عن دمشق، بعد ان كانت معزولة امريكيا وتتلقى الضربات الاسرائيلية والتوبيخ العربي بسبب التقارب مع ايران، وعلى الارجح أن ثمة تبنِ امريكي لتقرير بيكر– هاملتون ولكن مع الحفاظ على ماء وجه الادارة الحالية ولو شكلا.
وفي الواقع فإن النظام السوري اعطى بوادر حسن النية تجاه الامريكيين، ففي العراق اعطاهم ما ارادوا في العراق من خلال ضبط حدوده امام المتسللين الذين ارهقوا الجيش الامريكي في السنوات الماضية. كما انه شارك في مؤتمر دعا اليه بوش، والنظام على دراية بأن مصيره الفشل، ولكنه بمشاركته اعطى غطاء للمشاركين فيه لاتخاذ خطوات تناقض سياسته رغم انه تذرع بالمشاركة تحدت عنوان طرق قضيته في المؤتمر، ولو من باب التذكير الذي يرى فيه انتصارا في هذه المرحلة خشية ان تدلف قضية الجولان في نفق النسيان الدولي.
وعلى اية حال فإن من الصعب ان تثق دمشق باقوال الادارة الامريكية انها عازمة على تحقيق السلام، وهي تدرك ان هذه الادارة ايضا في مأزق، وما كانت لتدعوها لولا انها بحاجة لتحشيد اوسع الدول خلفها في مواجهتها مع ايران.
واذا كان من مراهنة على تدشين المفاوضات مع اسرائيل خلال العام القادم حول الجولان، فإن سورية في واقع الامر تعد الايام لانتهاء مرحلة بوش، وبانتظار ان تدفع بجولات الحوار لتحقيق شيء مثمر لدى الادارة الجديدة القادمة بعد عام على ذلك.
ولما كانت سورية التي فقدت كثيرا من مكانتها خلال الاعوام الاخيرة لصالح اللاعب الايراني، بل وباتت في مأزق الحسبان عليه، وتستشعر الضعف أمامه وقد امتص دورها، فقد وجدت ضالتها في حضور المؤتمر لاكثر من غرض واهمها فك عزلتها، وهي الدولة المضيفة للقمة العربية القادمة بعد نحو ثلاثة اشهر، ولا شك انها في حاجة ماسة لاستعادة مكانتها العربية، دون فقدان علاقتها الوثيقة مع ايران اللاعب الاقليمي القوي في المنطقة، بما يمكنها من اخذ دور الحلقة الوسيطة بين بني جلدتها وحليفتها ايران. واضافة لذلك لتثبت انها الاقدر على حل المشكل اللبناني عبر خريطة طريقها مع امريكا.
وتتفاوت التقديرات حول ما سينتهي اليه دور اللاعب المزدوج الذي من المرجح ان يتقمصه النظام خلال الفترة القادمة، وفي حين ان النظام على دهاء، وليس من السهل عليه ان يفرط باوراقه وتحالفاته دون مقابل مجز، لانه يعرف ان ثمن استدارته سيكون غاليا، ولذلك فلن يفرط على الاغلب بتحالفاته. الا أن البعض يميل للاخذ بأنه بعد سنوات من تهاوي نفوذه الخارجي لصالح ايران، اخذ يبحث عن دور له في الزمن الامريكي الجديد، وهو دور قد ينعكس سلبا عليه، ان خذل حلفائه، فعلى الرغم من قوته الظاهرية، فهو ضعيف مهزول بمعزل عنهم، فقوته من قوتهم، وبالتالي فإن تجديده وعدم المساس به واعطاءه دور تحت المظلة الامريكية سيضعه امام تحديات اقسى من التي يواجهها في عزلته. ولذلك فبدون طعوم غربية مقنعة سواء في الاقتصاد او التسوية السياسية في الجولان أو ضمان مصالح حيوية في لبنان، فإن الانخراط في اللعبة سيكون مكلفا وسيفتح الاعين على اللعب بالنسيج الوطني السوري بصورة اكثر وضوحا وقوة، وعندها فإن النظام لن يجد من يحميه أو يشفق عليه من السقوط، وهو يواجه مصيره الحتمي عندها.