A+ A-
اليمن عشية أول انتخابات رئاسية تنافسية حقيقة
لغة الكتاب : العربية
تاريخ الإصدار : 2007
من المقرر أن يتوجه ما يقارب التسعة ملايين وربع المليون ناخب يمني في 20 سبتمبر (أيلول) الجاري للإدلاء بأصواتهم لانتخاب رئيس جديد للبلاد، وانتخاب ممثليهم في مجالس البلديات وكذا المحافظات.
وتعد هذه الانتخابات محطة هامة وجسرا لتغيرات كبيرة سيكون لها أثر على مستقبل البلاد السياسي، وتكمن أهميتها البالغة في أنها:
  • تنعقد بعد تطورات وإحداث على قيد كبير من الأهمية على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، فاليمن كانت بعيد هجمات 11 سبتمبر في نظر الأمريكيين مرشحة لتكون المحطة التالية بعد أفغانستان كأكثر المناطق تغلغلا لنشاط القاعدة. وللحفاظ على النظام السياسي في اليمن انخرطت السلطة في الحرب ضد الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة، وقد عكس ذلك نفسه على طبيعة العلاقات السياسية في داخل البلاد، حيث ازداد الجفاء بين الحليفين " حزب المؤتمر الشعبي " الحاكم و"التجمع اليمني للإصلاح " الإسلامي المعارض، واندفع هذا الأخير لينسج خطوطا تحالفية مع خصوم الأمس " الحزب الاشتراكي اليمني" الذي عاد للنشاط بقوة، وهي مقاربة تحمل الكثير من الدلالات، وقد تكون تدشينا لإرساء قواعد حقيقية للعبة الديمقراطية في أكثر البلاد عشقا لحمل السلاح ونزوعا لاستخدامه في حل النزاعات.
  • تعد أول انتخابات رئاسية عربية جدية، يتنافس فيها ممثل السلطة مع ممثل احتشدت عليه المعارضة بأغلب تلاوينها، وهي منافسة حقيقية لبرنامجين ونهجين، بل وشخصيتين مختلفتين في انتمائهما الفكري والسياسي، ولذلك فإن نتائجها ستعطي صورة نسبية ليس عن قدرة المعارضة والسلطة لدى الشارع بصورة رئيسية، وإنما عن مدى ميل مجتمع تسوده الأمية المعرفية - نسبة الأميين 65%-، ولا تزال روابط مجتمع ما قبل الدولة طاغية في أفكاره، وعليه أن يقرر بين زعيم عسكري تربى على ولاءه لما يقارب ثلاثة عقود، ويحمل تراث الجمهورية والوحدة واليمن الحالي تفاصيله، وبين شخصية من التكنوقراط جنوبية المنشأ بقيت على استقلالها في دولة الحزب الواحد، قوتها في استقلاليتها وشفافيتها.
  • خمسة مرشحين يتسابقون على مقاعد الرئاسة، هم إلى جانب الرئيس الحالي علي عبد الله صالح، مرشح أحزاب المعارضة في إطار "اللقاء المشترك" المهندس فيصل بن شملان، وياسين عبدو سعيد عن " المجلس الوطني الذي يعبر عن قوى معارضة خارج الإطار السابق، هذا إضافة إلى مرشحين مستقلين هما أحمد عبد الله المجيدي ( قيادي اشتراكي ) مرشح مستقل بدعم من الحزب الحاكم، ود.فتحي العذب رئيس القطاع الطلابي للإخوان المسلمين. إلا أن المنافسة الجدية على الانتخابات تكاد تكون محصورة ما بين الرئيس صالح وبن شملان. وفي التقديرات أن المرشحين الثلاثة دخلوا الانتخابات للتشويش على مرشح المعارضة بن شملان، وهم بعيدون كل البعد عن المنافسة الجدية على الرئاسة.
  • يجسد الرئيس صالح ومنافسه بن شملان الصراع المستجد في فترة الطلاق ما بين حزب المؤتمر الشعبي الحاكم والتجمع اليمني للإصلاح، وانتقال هذا الأخير إلى صفوف المعارضة مع خصوم الأمس، ففي الوقت الذي يمثل فيه الرئيس من لهم مصلحة في الدولة وأجهزتها بامتداداتها الشعبية، فإن بن شملان يمثل ائتلاف القوى المعارضة الرئيسية وهي التجمع اليمني للإصلاح بجناحيه القبلي والديني (الإخوان المسلمون)، والحزب الاشتراكي اليمني بعلمانيته ولبراليته، هذا إضافة إلى غيرهما من قوى اقل نفوذا وهي التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري كتيار قومي آخذ بالصحوة، وأحزاب اقل قوة وهي واتحاد القوى الشعبية وحزب الحق، وهما يمثلان إلى حد كبير الاتجاهات الزيدية والشيعية. ويمثل بن شملان أيضا قطاعا لا بأس به ممن يصنفون ضمن الطبقة الوسطى اسميا لا فعليا، والعاطلين والساخطين الذين قذفهم عصر تحرير الأسواق من قطاره.
  • تعد هذه، آخر انتخابات رئاسية يسمح فيها القانون للرئيس الحالي بخوضها، وهو القائم على سدة الحكم منذ ما يربو عن 28 عاما، ولذلك فإنها في نتائجها سوف تحسم إلى حد كبير مسألة "الخلافة" في اليمن، حيث تدور التكهنات بقرب تسلم نجل الرئيس لمهام والده أو حلوله محله بعد انتهاء ولايته، فمثل هذا الاحتمال سيتعزز بفوز الرئيس أما نجاح منافسه فسيترك الباب لاحتمالات شتى.
  • كل المؤشرات تفيد بأن الرئيس سيخرج من هذه الانتخابات فائزا؛ خصوصا انه من يدير الدولة، وهو كأي زعيم سياسي ليس بوارد التطهر والاستغناء عنها لخصومه السياسيين، هذا إضافة لغياب القضاء الكفوء والنزيه.
  • ومن العوامل الهامة التي تساعده في البقاء على سدة الرئاسة أن وعي المجتمع اليمني لم يصل إلى تلك الدرجة التي يقبل فيها التغيير سريعا، وهو المرتبط بضعف خبرة وأداء المعارضة اليمنية، وعدم وجود تجربة غير هذه التجربة لتعزيز الثقة بين أطرافها، خاصة أن الذاكرة تعود إلى اشتباكها الدموي في حرب 1994 التي لا زال الكثيرون يكتوون بنارها وإن انطفأت.
اختبار لقدرة المعارضة على ضبط نفسها:
تشعر المعارضة بإمكانية تحقيق نصر إذا ما استوفت الانتخابات شروط الشفافية، وهي إذ تتعمد الإيحاء بأنها فائزة قبل الأوان، فإن ذلك يخلق توترا لدى السلطة.وهناك سلسلة من المؤشرات الدالة على خشية السلطة من انفلات الوضع، وأن تتمكن المعارضة من تحقيق اختراق سياسي مفاجئ بانتصار بن شملان، حيث تشير التكهنات بأن الرئيس لن يعترف بمثل هذا الفوز إن حصل، حيث تنسب إليه أقوال من نوع "إنهم يريدون أن يجعلوا اليمن عراقا آخر أو صومالاً آخرا، ولكن ذلك ابعد عليهم من عين الشمس، وبعيد كل البعد أن يمزقوا الوطن" وهو إعلان يفهم منه عدم الاعتراف بالنتائج إذا فاز بن شملان.
والمشكلة أنه ومع اقتراب يوم الفصل، فإن كل يوم جديد يحمل معه سخونة تعبوية إضافية، قد تؤدي إلى صدامات دموية بين أنصار الرئيس ومنافسه بن شملان، بما يعطل الانتخابات أو يدخل البلاد في نفق سياسي مظلم.
وفي التقديرات أن المعارضة تعي أن ليس لديها القدرة على انتزاع المقعد الرئاسي، وهي انما تريد الحصول على اكبر نسبة من الأصوات، لجعل انتصار الرئيس باهتا، كما أنها تسعى للسيطرة على أعلى قدر ممكن من المقاعد البلدية، وفرض جميع هذه النتائج على الحزب الحاكم لتعزيز دورها في الحياة السياسية اليمنية.
اختبار لقدرة اليمنيين على انجاز انتخابات شفافة:
لا زالت الخشية لدى المعارضة قائمة من مغبة استغلال السلطة الأوضاع وإلغاء الانتخابات، ويبقى الحسم رهن قناعة السلطة بنجاح ممثلها في الحفاظ على السلطة مع عدم اندلاع موجة عنف.
ولعل ما يطمئن في هذا الإطار تمسك كافة القوى ـ نظريا حتى الآن ـ بضرورة إجراء انتخابات نزيهة من خلال "اتفاق مبادئ وقعه الحزب الحاكم وأحزاب "اللقاء المشترك" الخمسة المعارضة، بموجبه سيضاف عضوان من أحزاب المعارضة إلى اللجنة العليا للانتخابات التي يبلغ عدد أفراها 9، ليرتفع بذلك عدد ممثلي المعارضة إلى 4 أعضاء؛ لضمان نوع من التوازن في قوام اللجنة، إضافة إلى الاتفاق إلى تشكيل لجان انتخابية ميدانية، وتشكيل فريق عمل قانوني يتولى فحص السجل الانتخابي.
كذلك فتوفير أرضية مناسبة من المراقبة الدولية للانتخابات، يساهم بشكل كبير في تحقيق النزاهة والشفافية التي يتحدث عنها المرشحون، حيث تشارك المفوضية الأوروبية في المراقبة، من خلال بعثة برئاسة نائبة رئيس البرلمان الأوروبي البارونة ايما نيكولسون وينتربورن بناء على طلب اللجنة العليا للانتخابات.
وبحسب اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء فقد بلغ عدد المراقبين الذين منحوا تصاريح حتى الرابع من سبتمبر (أيلول) لمراقبة الانتخابات 165، معظمهم من المفوضية الأوروبية.
وأما اللجنة الأمنية في اللجنة العليا للانتخابات فقد أفادت انه تم تعبئة 89 ألف جندي وضابط لتأمين الحماية اللازمة لمجريات الانتخابات موضحا أنهم سينتشرون في 5620 مركزا انتخابيا هي عدد المراكز الانتخابية باليمن، من أجل حماية الوثائق والصناديق ولجان الإشراف الأصلية والفرعية، وكذا المراقبون المحليون والدوليون ومندوبو المرشحين والأحزاب.
برامج المرشحين:
يركز برنامج الرئيس على تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن والحفاظ عليهما، ومواصلة بناء أسس الاقتصاد اليمني والاستمرار في عملية تحديث الإدارة ومواصلة جهود مكافحة الفساد.
وأما مرشح المعارضة فيصل بن شملان، فقد تعهد في حال فوزه بالحد من صلاحيات رئيس الجمهورية، من خلال تقليص سنوات الرئاسة بالانتخابات إلى 5 سنوات بدلا من 7 حاليا، كما أكد على مبدأ الفصل بين السلطات، والعمل على إيجاد قضاء مستقل. ووعد بتخفيض ضرائب الدخل، ورفع مخصصات التعليم والصحة، وتحسين أوضاع العسكريين والموظفين، والاهتمام بقطاعات المرأة والشباب والمغتربين.
عناصر قوة الرئيس:
ابرز العناصر التي تشكل مصدر قوة الرئيس في الانتخابات القادمة وتجعل منه فائزا قبل إقرار نتيجة الانتخابات:
 
1. التركيبة الاجتماعية والعسكرية، يعبر الرئيس صالح عن مصالح قطاع واسع من أصحاب النفوذ في البلاد، فهو يمثل طبقة اجتماعية لها كل المصلحة في بقاءه السياسي، وتمثل اقتصاديين وتجار وزعماء قبائل وقيادات عسكرية لها نفوذ تعزز بعد حرب عام 1994 وهي ليست بوارد التنازل عن مصالحها المكتسبة. ولا شك أن من يمسك بزمام السلطة هو الأقدر على استغلالها لمصالحه، بما يفقد الانتخابات نزاهتها، وفقا لما ذهب إليه أيضا الشيخ عبد الله الأحمر. وبحسب بعض المحللين فقد استخدم الحزب الحاكم سياسة فرق تسد بين القبائل، وداخل صفوف الأحزاب المعارضة منذ وقت مبكر، وقام بشراء ولاءات حزبية وقبلية ووجاهات وشخصيات مؤثرة في المجتمع اليمني، بما فيها داخل تكتل الأحزاب المعارضة التي تنافسه بقوة. ولذلك فمن غير المستبعد أن تكون صحيحة، بعض التقارير التي تتحدث فيها المعارضة عن قيام وزراء وقادة عسكريين وقضاة بأخذ البيعة للرئيس، مقابل وعود كثيرة يطلقونها باسم الرئيس. هذا علاوة عن امتلاك الحزب الحاكم لماكينة انتخابية خبيرة، حيث وفقا لمصادر يمنية معارضة فقد استعان صالح برئيس الحملة الانتخابية للرئيس الفرنسي جاك شيراك لإدارة حملته، وكذا بطاقم أمني مصري رفيع المستوى الذي وصل صنعاء الشهر الماضي للاستفادة من التجربة المصرية في الانتخابات الرئاسية.
2. يعد الرئيس رمزا لطموح اغلب اليمنيين في الوحدة، ورفض تدخل الغير في شؤونهم، ويسجل له قدرته على استيعاب الخصوم، وإتاحة هامش ديمقراطي مفتقد في كثير من الدول العربية.
3. عدم وجود نية أمريكية للإطاحة بالرئيس صالح، لا توجد مؤشرات توحي أن الغرب بصدد تغيير الرئيس صالح حاليا، وبالرغم من انتقادات سياسته الاقتصادية بل وحتى السياسية أحيانا، إلا أن الغرب يقبل التعايش معه خاصة أنه أبدى تعاونا في الحرب ضد الإرهاب، وهو المطلب الأمريكي الرئيس لغض النظر عن سياسته الداخلية. وإذا كان منافسه التكنوقراطي فيصل بن شملان يستجيب شكلا للمطالب الغربية بترسيخ الديمقراطية، إلا أن المحاذير الغربية ستبقى قائمة من تكرار تجربة وصول حماس إلى السلطة، وان يكون فوزه جسر عبور للتجمع اليمني للإصلاح الأشد معارضة للسياسة الأمريكية في المنطقة، هذا إن اخذ بعين الاعتبار أن للغرب المصلحة في تعزيز نفوذ الحزب الاشتراكي اليمني في إطار أضعاف قبضة الرئيس اليمني، وخلق قوى داخلية تجبره البقاء في القفص، وعدم التغريد خارج سرب السياسة الأمريكية في المنطقة، كما هو الحال عندما يندفع بإطلاق تصريحات قومية تثير استياء الغرب كما هو الحال إبان انتفاضة الأقصى والحرب الأخيرة على لبنان، ولكنه يستطيع توظيفها أيضا في الداخل اليمني للحفاظ على شعبيته.
4. تأييد الشيخ عبد لله الأحمر إعادة انتخاب الرئيس، يوصف الشيخ عبد الله الأحمر شيخ مشايخ حاشد الذي يتمتع بعلاقة صداقة مع الرئيس، بأنه القابع وراء وصول كل رئيس للسلطة في اليمن، منذ قيام الثورة اليمنية في الشمال عام 1962 بمن فيهم الرئيس صالح نفسه. ولم يخف الشيخ تأييده إعادة انتخاب الرئيس، وينفي ما يتردد عن جفاء بينه وبين الرئيس عندما انتقل للسعودية بدعوى العلاج، وسبق له أن قال " جني تعرفه ولا انسي لا تعرفه" في إشارة إلى الرئيس. وعاد بعد طول صمت للقول علانية " مرشحي هو علي عبد الله صالح (..) وهذا هو موقفي في البداية وفي النهاية ولن يتغير او يتبدل.". ومن الواضح أنه يتخذ موقفا يخالف نجليه حسين وحميد، وهما اللذان يقفان على طرف نقيض للرئيس في الانتخابات الحالية، ويعدان داعمين رئيسيين لابن شملان.
وبقدر ما يعد موقف الشيخ لما يتمتع به من نفوذ قبلي واسع، مثيرا للجدل، إلا أن في موقفه المؤيد لإعادة انتخاب الرئيس الكثير من الحكمة التي قوامها الخبرة الطويلة في الشؤون اليمنية، ولعل سخونة الأجواء الانتخابية هي ما دفعته لهذا الموقف، وفي تبريره لعدم ترشيحه صالح مبكرا ، قال إنه لم يأت في أخر لحظة، فالدعاية الانتخابية لم تنتهي بعد وموعد الانتخابات لا يزال أمامه عشرة أيام، مشيرا أن ترشيحه لعلي عبد الله صالح أتى في وقته سواء أكان في بداية الحملة الانتخابية أو الآن فالمسألة متعلقة بأداء محدد في ظرف محدد.
ويبدو أن الشيخ على دراية بأهمية موقفه، رغم غمزه من قناة الرئيس وتشكيكه بنزاهة الانتخابات، وهو يقول عن نفسه بأنه غير متعصب، ويرى في ذاته " همزة وصل بين جميع الأطراف وعامل توفيق ومع الجميع." . وكما يبدو أن الشيخ يعي جيدا انه إذا تماهى في موقف حزبه الذي يتزعمه ( التجمع اليمني للإصلاح) فسوف يدفع البلاد لحافة الصدام الدموي بين المعارضة والسلطة، ولذلك فهو يسعى لحقن الدماء، من خلال إبقاء شعرة معاوية بينه وبين الرئيس، وبالتالي فهو مضطر للدفاع والترويج لمشروعية الاختلاف واحترام الآخر والاعتراف به كقواعد للديمقراطية اليمنية الناشئة، بل ويذهب الى ما هو ابعد بقوله عن رأيه إنه " رأي شخصي وغير ملزم للإصلاح ولا لغيره".
وبينما يروج أنصار الرئيس لموقفه باعتبار أن نجليه شقا عصا طاعة الأب، حيث قال إن نجله حميد "رجل حزبي متعصب لحزبه التجمع اليمني للإصلاح كونه من قادة الإصلاح "، فقد كان حميد اشد إدراكا لموقف والده، عندما قال إن ذلك يدل على أن "المؤتمر الشعبي العام لا يفهم معنى الديمقراطية"، واتهمه "بالإفلاس" مما جعله "يحاول الاستعاضة عن أصوات الناخبين بتصريحات وآراء لبعض الرموز الوطنية أمثال الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، في محاولة يائسة لاستغلال الثقة الكبيرة التي يتمتع بها هؤلاء الرموز لدى شريحة واسعة من أبناء الشعب وتجيير هذه الثقة لمصالحهم الانتخابية"، وأثنى حميد على موقف والده مؤكدا أنه " يفهم الديمقراطية أكثر منهم ويمارسها بصدق والدليل أننا نمارسها حتى في إطار البيت الواحد"، مؤكدا أن والده لم يفرض رأيه على احد من أبنائه أو حزبه أو محبيه.
ولا تخفي الوقائع أن ثمة خلافا مبطنا بين الرئيس وصديقه منذ كانون ثاني (يناير) عندما انتقل الشيخ إلى السعودية بدعوى العلاج، ولم يعد سوى لفترة وجيزة ليعود إلى الرياض لقضاء فترة نقاهة طويلة لا يعرف متى تنتهي. وعن الاختلافات يقول " فعلاً هناك سوء تفاهم حاصل، لكن بين فخامته وبين أولادي أما بيني وبينه فلا يوجد سوء تفاهم وأعتقد بأن علاقتنا هي نفسها كما تقتضيه ضرورات المصلحة الوطنية" مدعيا أن "العلاقة لم تمر بأي مطبات على الإطلاق" ، ومطمئنا بأن "الوضع لا يسمح بالتغيير في مثل هذه الظروف، خصوصاً وأننا جميعاً أقله كمواطنين مجمعين على الرئيس علي عبد الله صالح، لكن العمل الديمقراطي لا يقبل بأنصاف الحلول، فإما أن تحتكم لشروط العملية الديمقراطية أو لا تحتكم والجميع يدركون هذا."
وسبق أن تحدثت تقارير عن خلافات بين أبناء الأحمر وأبناء الرئيس صالح على النفوذ السياسي والاقتصادي، وحينها قال الشيخ أن لا احد يستطيع أو يفكر في أن ينافس أبناء الرئيس.
وليس من المستبعد أن يكون جل ما يهدف إليه الشيخ، هو تأمين هادئ لدور أبنائه السياسي لمرحلة ما بعد صالح الرئاسية القادمة، وقطع الطريق على ولاية ابن الرئيس احمد، لصالح احد أبنائه رجل الأعمال الحداثي النافذ حميد احد رموز التجمع اليمني للإصلاح، أو حسين الذي كان رئيسا لفرع الحزب الحاكم في عمران عاصمة قبائل حاشد، واستقال منه بعد أن اسقط من اللجنة العامة للحزب في مؤتمره العام السابع.
والمتتبع للمشهد اليمني، سرعان ما يكتشف أن حميد منذ أشهر يسعى جاهداً أن يملأ الفراغ الذي تركه والده الشيخ عبد الله. ولبعض الموالين للنظام تفسيراتهم، ويعتقدون أن نية النجلين هي توجيه الأنظار ليتحول الصراع من مجرد شخصي مع النظام إلى طموح في الاستيلاء على النظام بمؤازرة خليجية وغربية.
ويعتقد محللون أن تصريحات حميد المتكررة وكذلك حسين، إنما تعبر عن حاجة شخصية، وليس سياسية لتصفية حسابات مع النظام. وفي تقديراتهم أن أحزاب اللقاء المشترك تدرك جيداً أن هذه التصريحات وهذا الصراع الخفي لا يعنيها، وأنها إذا ما تعاملت معها فإن ذلك مراعاة لمصلحتها. ومع ذلك فإن لبعض من هم في الائتلاف المشترك خشيتهم من تطرف تصريحات حميد التي تفوق أطروحاتهم، حيث هناك خشية من أن يجد المشترك نفسه امام قطيعة واستفهام ودفع الوضع الى الفلتان، بما يبرر للسلطة أن تتخذ ما ترتئيه من سياسات.
عناصر ضعف الرئيس:
1. تردي الوضع الاقتصادي وتفشي الفساد، لا يخفي أن الرئيس الذي يدير بلادا فقيرة ومقبلة على مزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية، وتوصف بأنها من أكثر البلدان تفشيا للفساد، في خشية من مخاض الانتخابات على مستقبله السياسي، حيث يفتقد خطابه السياسي قوة الحجة، ولم يجد غير الدعاية لرصيده السياسي الطويل، وانجازاته الوحدوية وتحقيق الأمن والاستقرار السياسي. ويبدو أن المعارضة نجحت في تركيزها على ملف الفساد وضعف الاقتصاد وتنامي الفقر، بوصف ذلك علة العلل ونقطة ضعف الدولة، ولم يكن الرئيس موفقا في جدله الانتخابي في هذا الملف حيث اندفع لاتهام معارضيه في الائتلاف المشترك بالفساد، ومحاولة الاستيلاء ونهب العديد من الوزارات ومرافق الدولة والبنك المركزي اليمني، وكأنه بذلك كان يشير بأصابع الاتهام إلى شخصه كرئيس ضعيف لم يقو على وضع حد للفساد بغض النظر عن صحة الاتهامات. بل حتى أن إعلام الائتلاف المشترك علق عليه بالقول إنه " لم يسبق لحاكم يمني أن ظهر مستسلما أمام اللصوص وناهبي المال العام كما فعل صالح"، مذكرا بخطاب له بمحافظة إب، وهو يقول للفاسدين: أن الله هو من سيحاسبهم وليس هو.". وبصدد الوضع الاقتصادي فهو وبحسب التقارير الغربية يتجه إلى مزيد من التدهور، ويستذكر المراقبون اندلاع أعمال شغب العام الماضي جراء رفع أسعار الوقود راح ضحيتها عدد من المتظاهرين، فيما يدفع بالمتضررين اقتصاديا إلى البحث عمن لم يجرب، ويطلق وعودا بانتشالهم من مأزقهم.
2. الكثير من الوقائع اليمنية تدلل على أن شعبية الرئيس آخذة بالتآكل منذ تعاونه مع الأمريكيين فيما يسمى بالحرب على الإرهاب، خاصة أنه لم يستطع من خلالها أن يقبض ثمنا اقتصاديا أو سياسيا يرضي به شعبه نظير هذا التعاون، بل تقريعات أوروبية وأمريكية حول سوء ادارة الدولة وعدم ضبط الإنفاق ..والى آخره من روشيتات البنك الدولي التي تزيد الاحتقان الداخلي على ما هو عليه. وفي التقديرات أن قسوة الرئيس في تعامله مع حركة الحوثي، وسقوط مئات القتلى لن يكون من السهل محوها من الذاكرة خاصة أن الملف لم يغلق نهائيا، وبالتالي فمن الصعب أن يستقطب الرئيس أصوات محافظة صعدة الى صالحه بعد الحرب التي جرت. كما أن نداءه لنزول المتمردين والفارين من الجبال ودعوة أنصار الحوثي لتشكيل حزب سياسي هي نداءات متأخرة. ويساق نفس الامر على نية الحكومة المتأخرة بصدد صرف 50% من مستحقات نحو ثلاثة آلاف عسكري جنوبي بعد أن انقطعت مستحقاتهم منذ الحرب الأهلية صيف 1994، حيث لا يزال كثير من الجنوبيين يشعرون بالتهميش، وهو مناخ خصب لتفشي الدعوات الانفصالية التي يقوم عليها بعض معارضي الخارج.
3. يعد عدوله عن عدم ترشحه كما أعلن العام الماضي بمثابة نقطة ضعف تقلص من عدد الأصوات التي يعول عليها، خاصة بعد حالة الجدل التي خلقها بقراره المفاجئ كأول زعيم عربي يتقدم طواعية بمثل هذا القرار، ليعود ويظهر كمتهالك على كرسي السلطة بكل الوسائل.
4. الاستقواء بالتيار السلفي، في اليمن جرى استثمار التيار السلفي لدرجة الاستنفاذ في المراحل التي كانت تقتضيها المصلحة في استخدامه، واليوم وبينما يحتاج الرئيس الى حشد كافة الطاقات للالتفاف حوله فقد التفت إلى هذا التيار، بهدف توظيفه لصالحه ضد خصومه الإسلاميين البراغماتيين والاشتراكيين العلمانيين واللبراليين.
وفي الاعتقاد أن اللجوء إلى هذا التيار في الجدل الانتخابي، بعد أن انحسرت شعبيته، تعبير لا يخفي الشعور بالضعف، خاصة أن لهذا التيار تجربة مرة في الشأن الداخلي اليمني، حيث سبق أن كفر الحزب الاشتراكي، واسهم في تصفية العديد من كوادره بوصفهم علمانيين في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، مسهلا تمتين قبضة الحكم المركزي في صنعاء على الجنوب أيام تنامت دعوات العودة للانشقاق. واستطاع النظام في مرحلة الحرب على الإرهاب استيعاب هذا التيار، والاستفادة منه في تبرير وتغطية تصفية تمرد بدر الدين الحوثي عسكريا، في وقت كان التيار السلفي هو الأحوج لمن يمسك بيده بعد أن قضت الحرب على الإرهاب مضاجعه، وبات يعتريه الضعف الشديد، وهو بحاجة لمن يدفع عنه اتهامات الإرهاب، وإعادة توظيفه وتأهيله في الحياة اليمنية من خلال الدخول في طاعة ولي الأمر.
وفي الاعتقاد أن الرئيس استطاع أن يحقق اختراقا بين ظهرانيهم، أو على الأقل أن يحيد احد ابرز منظريهم الشيخ عبد المجيد الزنداني رئيس مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح والمطلوب أمريكيا، بهدف شق إجماع التجمع على منافسه بن شملان. وكان لافتا أن الرئيس تعمد تدشين حملته الانتخابية من جامعة الإيمان وتبرئتها مما يثار حولها من المخاوف الدولية بوصف رئيسها الزنداني مطلوب أمريكا بقضايا تتعلق بدعم وترويج الإرهاب، وهذا في الوقت الذي كان يجتمع فيه بن شملان مع السفير الأميركي في صنعاء. ويذكر أن الزنداني صرح في أكثر من مرة عن الرئيس بوصفه رجل المرحلة القادمة لليمن وانه لا يمكن أن يؤيد شخص آخر غيره، ولكن ذلك وكما يبدو لم يكن دون ثمن فقد سعى الرئيس لدى واشنطن لكف يدها عن طلب الزنداني. وكان متحدث باسم الخارجية الأميركية قد نفى في شهر مارس (آذار) الماضي أن تكون بلاده قد طلبت من الحكومة اليمنية اعتقال الزنداني، موضحا أن الطلب الأميركي اقتصر على حض صنعاء على تنفيذ قرار الأمم المتحدة المتعلق بمنع سفر الزنداني وتجميد أرصدته وأمواله.
وكان لافتا أيضا أن النظام استمال بعض مفتي التيار السلفي كابي الحسن المأربي ( مصري الجنسية) المطلوب أمريكيا أيضا، والذي تفاجأ به الوسط السياسي اليمني عندما ألقى كلمة العلماء في المهرجان الخطابي للرئيس صالح في محافظة مأرب وروج للرئيس حيث أفتى صراحة بعدم جواز منافسة ولي الأمر، فيما يطعن بإجراء الانتخابات، والنهج الديمقراطي، وكذا مبدأ التداول السلمي للسلطة. وتتحدث تقارير يمنية عن تهافت السلفيين على لجان التسجيل للحصول على بطاقة انتخابية هذا على الرغم من موقفهم المعادي للنهج الديمقراطي وصندوق الاقتراع بوصفه من المحرمات، فيما يعتقد انه مقابل منحها العديد من الامتيازات الوظيفية والتسهيلات المستقبلية. وتميل التقديرات حول نفوذ التيار السلفي في اليمن إلى أنه تراجع كثيرا أمام تيار الإسلام السياسي البراغماتي المتصاعد نفوذا ( الإخوان المسلمين) في المنطقة العربية والذي يمثله التجمع اليمني للإصلاح. ويصل البعض إلى درجة التهكم من حجمهم على أنهم لا يتجاوزون المئات ويماثلون في قوتهم عدد أصوات المجلس الوطني للمعارضة. كما يقلص محللون يمنيون من أهمية السلفيين في اليمن بوصفهم منقسمون على أنفسهم، ويشككون في أن تكون السلطة قادرة باستقطابهم تعويض ما فقدته من نفوذ وأصوات في محافظة صعدة نتيجة الحرب ضد جماعة الحوثي.
الخشية على الرئاسة وضعف الحجة الانتخابية:
لم يخف الرئيس انفعاله وغضبه وتهديده في حملاته الانتخابية، ومن الواضح أنه لم يألف المنافسة الجدية على المقعد الرئاسي، فقد حذر تكتل أحزاب اللقاء المشترك وخاصة الحزب الاشتراكي وتجمع الإصلاح الإسلامي الذين اسماهم بالقوى الانفصالية والظلامية من مغبة جر اليمن إلى الصوملة أو إلى وضع العراق. وظهر وكأنه بذلك يربط مصير اليمن بمصيره الشخصي مهددا بعدم قبول نتائج ليست في صالحه.
وليس من المستبعد أنه فوجئ بمدى قوة خصمه، وبصلابة الائتلاف المشترك وقدرته على تجاوز الخلافات بين الإسلاميين والاشتراكيين باختيارهم مستقلا لمنافسته، حيث تمنى أن ينافسه احد قيادات اللقاء المشترك آخذا عليهم استئجار من ينافسه، ومتسائلا "كيف يأتون برئيس مستأجر لقيادة اليمن". ولذلك انطلق لاتهام خصومه الإسلاميين والاشتراكيين، بالشموليين ونية إعادة البلاد للحكم الإمامي، متناسيا انه يحكم البلاد منذ أكثر من 28 سنة. وفي الاعتقاد أنه خسر كثيرا عندما نظر للانتخابات كمعركة، وسمى أحزاب المعارضة بـ "أحزاب الحقد المشترك". واتهمهم أنهم " يريدون الانقضاض على خيرات الأمة"، ووصفهم بـ "التتر".
الأمن في قلب الدعاية الانتخابية
يسلط بعض المراقبين النظر على استخدام الحزب الحاكم لشعارات تدور غالبيتها حول مفهوم مصادرة الأمن والأمان على اليمنيين في حال عدم فوز الرئيس، مثل شعارات" من أجل ضمان مستقبل آمن لأطفالنا" ، " نعم لمحقق الأمن والأمان" ، "وطن آمن .. مستقبل مزدهر" ، معك على سفينة الوطن إلى بر الأمان"، ويعتبرونها بمثابة رسالة تهديد مبطنة للحياة المدنية والسلم الاجتماعي في اليمن. وفي رؤيتهم أنها تعكس المخاوف من حدوث تغيير سياسي في البلاد، وكأنما النظام يضع نفسه في مأزق التلويح بورقة تفجير الأوضاع الداخلية.
وتأخذ المعارضة عليه دعوته المواطنين إلى تجديد صلح بين القبائل لمدة عامين "بدلا من حل مشاكل الثأر جذريا بتحقيق العدالة والأمن" وقالت انه لم يعد هناك زعيم في العالم يطلب أبناء شعبه لتحقيق مصالحة مؤقتة، متسائلة: هل يعني ذلك أن عليها معاودة الاقتتال بعد انتهاء المدة ؟.مشيرة إلى حوادث ثأر حصلت قبل المهرجان بساعات.
الترويج عن انشقاقات في المعارضة
لا يكاد يمر يوم دون أن تتصدر وسائل الإعلام تقارير عن انشقاقات في أحزاب المعارضة وانضمام للحزب الحاكم وبعضها تتحدث عن انضواء للحزب بالآلاف، ومن ضمنهم قيادات في الإصلاح والاشتراكي، وأيا كانت صحة هذه التقارير، فإن ذلك إنما يدلل على الشعور بقوة الخصم، والحاجة لشراء الذمم في هذا الوقت العصيب.
كما تداولت وسائل إعلام ما مفاده أن بن شملان وعد السلطات الأمريكية بتسليم الزنداني، وهو ما نفاه بن شملان حيث قال "هم يعلمون من يصادق الأمريكان منذ سنوات طويلة ومن الذين منحوا أمريكا الفرصة لتقتل طائراتها مواطنين يمنيين (السلطة) وكأن البلاد بلا سيادة ولا كرامة وفي مخالفة صريحة للقانون الدولي". في إشارة إلى استهداف طائرة أمريكية عام 2003 لـ أبو علي سنان الحارثي وقتله في صحراء مأرب في الربع الخالي مع خمسة من مرافقيه.
حزب الله والحملات الانتخابية
يلفت مراقبون يمنيون النظر إلى تعمد موظفي الحملة الدعائية للحزب الحاكم وضع صور صالح، إلى جوار صور أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله التي انتشرت بكثافة على الجدران وواجهات المحلات والسيارات، فيما يعتقد انه محاولة لاستثمار التأييد الشعبي الواسع لحزب الله لصالح حملة الرئيس الانتخابية الذي التفت، حسب بعض المراقبين، مبكرا في استثمار صمود حزب الله وانتصاره، حيث أشاد في عدد من خطاباته بأداء الحزب وانتصاراته، مطالبا الجميع وفي مقدمتهم الجيش اليمني بالاستفادة من أداء المقاومة.
وكان صالح أبلغ رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري خلال الحرب بأنه سيضع كل إمكانيات اليمن تحت تصرف المقاومة في حال لم تنعقد قمة عربية لمناقشة العدوان الإسرائيلي استجابة لمبادرة يمنية أعلنت آنذاك، كما أن صالح أعلن عن تبرعه بالمبالغ المخصصة لتمويل حملته الانتخابية لصالح الشعب اللبناني، كما أعلنت الحكومة اليمنية مؤخراً تكفلها ببناء بلدة البرج الشمالي في جنوب لبنان، وقدمت ما يقارب السبعة ملايين دولار لإعادة الإعمار.
ويذكر أن تعميمات رسمية صدرت خلال الأسبوعين الأخيرين من الحرب بمنع تعليق صور أمين عام حزب الله في المؤسسات والهيئات والمصالح الحكومية أو في سيارات الجيش، لكن هذه الأخيرة ظلت أعداد منها تشاهد وهي تعبر الشوارع وصور نصر الله ملصقة بنوافذها.
وفي هذا التوقيت جرى إبراز زيارة د.أحمد الملا عضو المكتب السياسي لحزب الله اللبناني تلبية للدعوة الموجهة إلية من اللجنة الشعبية اليمنية لدعم الصمود العربي في فلسطين ولبنان، والتي يرأسها أركان حرب الأمن المركزي وابن شقيق الرئيس صالح يحيى محمد عبد الله صالح.
عناصر قوة المعارضة:
إضافة إلى العناصر السابقة المشار إليها كضعف للرئيس، فإن لدى المعارضة من عناصر القوة أيضا ما يجعلها منافسا قويا، رغم حالة الضعف السياسي التي تشوب حزب السلطة والائتلاف المشترك المعارضة، فقد أكدت قوى المعارضة أنها ليست طارئة، بل عميقة الجذور في المجتمع اليمني، وتمثل مختلف أطيافه السياسية والمناطقية. بدلالة المعطيات التالية:
* نجاح المعارضة في تنظيم مهرجانات شعبية حاشدة في كافة المحافظات التي يزورها بن شملان.
* برهن أبناء الشيخ عبد لله أنهم قادة قبائل حاشد في غياب والدهم، ففي محافظة عمران الواقعة إلى الشمال من العاصمة صنعاء، والتي تعد معقل قبيلة حاشد التي ينتمي إليها الرئيس، كان واضحا ضعف مهرجان الرئيس الانتخابي، مقارنة بمهرجان المعارضة التي حشد فيها أبناء الأحمر ما يقارب المائة ألف في نفس المكان.
* ثقة المعارضة بالفوز حيث أعلن رجل الأعمال الشيخ حميد الأحمر رفضه للنتائج إذا فاز الرئيس " لأنها ستكون مزورة ". وأعلن بن شملان صفته كرئيس قبل الانتخابات، ويؤكد انه إذا مرت الانتخابات حرة ونزيهة فانه من المتوقع أن تبلغ نسبة فوز المعارضة بين 65-70% من أصوات الناخبين.
* تثبيت المعارضة إمكانية الخروج من عنق الخلافات الداخلية، والأنانية الحزبية الضيقة، حيث تلاقت على برنامج ومرشح مستقل من خارجها، وهو ما يعد من بواكير المشاريع الديمقراطية الحقة في المنطقة، وهو ما سوف يعزز الفرصة لتشكيل جبهة معارضة تعزز الحياة الديمقراطية في البلاد.
* اختيار بن شملان كمنافس رئاسي وهو من أكثر القرارات التي اتخذتها المعارضة صوابا، فهو جنوبي، وتتعزز الحاجة لتبديد مخاوف الجنوبيين من سيطرة الشماليين والقضاء على نوازع الانفصال، كما أنه شخصية مدنية غير عسكرية، تتميز بنظافة اليد وسعة المعرفة.
* جدية الإسلام السياسي في اليمن في مسعاه لتحسين مواقعه على حساب الحزب الحاكم، فهم اليوم على استعداد للتحالف مع كل خصوم الماضي، خاصة أن تحالفهم الطويل مع النظام لم يعد عليهم بالنفع بقدر الضربات الموجعة منه. وهم يطمحون إلى تحقيق هدفين رئيسيين في هذه الانتخابات وهي أهداف مشتركة مع بقية أحزاب المعارضة وتتركز حول إضعاف الرئيس ووضع حد لعملية توريث السلطة، وكذا الحصول على نصيب الأسد من مقاعد الانتخابات المحلية وانتخابات مجالس المحافظات. وهي الانتخابات التي لا تقل أهمية عن الرئاسية بوصفها عملية يهدف منها الحزب الحاكم تأكيد سيطرته على البلاد، فيما تجد فيها المعارضة فرصتها لإضعاف الحزب الحاكم وإرساء قواعد جديدة للحياة السياسية اليمنية.
المهندس فيصل عثمان بن شملان
* ولد عام 1934 في السويري بتريم، وهي ثاني أبرز مدن الدولة الكثيرية، وهو ينتسب الى آل شملان في حضرموت، وتتبع العائلة إلى قبيلة تميم وهي من كبرى القبائل العربية.
* متزوج ولديه ولد واحد اسمه تمام وأربع بنات.
* تلقى دراسته المتوسطة في " المدرسة الوسطى بغيل باوزير"، وهي المدرسة التي احتضنت معظم الشخصيات الحضرمية العامة البارزة. وتخرج في دفعة 1947م/1948م.
* أنهى دراسة الثانوية في السودان في ثانوية حنتوب
* تخرج من جامعة كنجستون في بريطانيا -تخصص الهندسة المدنية.
* ترأس اللجنة الشعبية العليا لإدارة شؤون حضرموت في ظل الفراغ الدستوري عقب انهيار الدولة الكثيرية بيد الجبهة القومية في 2 أكتوبر ( تشرين أول ) 1967.
* تولى حقيبة النفط في الحكومة الجنوبية بعد الاستقلال عن بريطانيا عام 1967.
* سماه الرئيس الجنوبي قحطان الشعبي في أول مرسوم له في 30/11/1967 وزيرا للأشغال والمواصلات.
* عين رئيساً تنفيذياً للهيئة العامة للكهرباء عام 1969.
* أدار مصفاة عدن عام 1977 بعدما آلت ملكيتها إلى الحكومة وتخلت بريطانيا عن إدارتها.
* عضو مستقلً في مجلس الشعب الأعلى لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية خلال الفترة 1971م - 1990م ثم احتفظ بعضويته في أول مجلس نواب بعد قيام دولة الوحدة.
* أسس إلى جانب آخرين عقب قيام دولة الوحدة 1990 وازدهار الأحزاب والصحف ذات الألوان السياسية المختلفة، حزب المنبر وأصدر جريدة " المنبر" ناطقة بلسان الحزب كتيار ديني مستنير ينبذ العنف والغلو وتكفير من يختلف معهم، وهي ظاهرة إيجابية برزت في أرجاء متفرقة من الوطنين العربي والإسلامي، كما رفض ذلك التيار الديني المستنير إقحامه في القضايا الخلافية.
* نجح في انتخابات عام 1993م البرلمانية
* عرضت السلطات عليه قبول حقيبة النفط وبالشروط التي يفرضها، قبل تشكيل الحكومة في أكتوبر 1994م وقدم آليات لتحسين عمل القطاع النفطي وجعله أكثر شفافية وإنتاجا.
* نجح في انتخابات عام 1997م
* فاجأ هيئة رئاسة مجلس النواب بتقديم استقالته بعد تمديد فترة ولاية الأعضاء لعامين آخرين وجاء في حيثيات الاستقالة أن الشعب فوضه لمدة أربعة أعوام ولذلك فهو يحترم قدسية ذلك التفويض.
* لا يتمتع بن شملان بكاريزما سياسية وإنما إنسانية، وهو علماني مخلص لرفض التقليد في مظهره، وللآن فقد رفض أن يرتدي الزي الشعبي بالجنبية في حملاته الانتخابية كتعبير عن الاعتزاز بالانتماء القبلي رغم كبر حجم قبيلته، مؤثرا عليه الزي المدني الغربي بربطة العنق. وهو يتمتع بسمعة شفافة وأخلاق تطهرية غريبة عن النخب السياسية في المجتمع العربي، حيث يعرف عنه أنه أعاد السيارة التي حصل عليها في أثناء توليه للوزارة، واستقال بمحض إرادته من وزارة النفط عندما فشل في مكافحة الفساد فيها، وأيضا يعرف عنه التزامه بالمسوغات الدستورية وسعيه لتكريس التداول الديمقراطي للسلطة فعلا لا قولا.
خلاصة
في أول انتخابات جدية على المقعد الرئاسي بدت علائم القلق لدى مرشح الحزب الحاكم وضعف قدرته أمام خصمه المستقل والمغمور سياسيا بعد أن كان فاز بـ96%في الانتخابات الماضية التي نافسه فيها صوريا احد أعضاء حزبه الذي يقال إن الرئيس اختاره بنفسه لينافسه.
وأغلب المؤشرات تفيد بأن الرئيس سيحتفظ بالمقعد الرئاسي، ولكن بنسبة قد لا تزيد عن 65%، رغم توقع منافسه الفوز بنفس النسبة.المهرجانات الانتخابية الحاشدة للمعارضة التي قد لا يقل حضورها كثيرا عن مهرجانات الرئيس تؤكد تنامي وعي وحاجة المجتمعات العربية لرفض الفساد والاستبداد والظلم واحتكار السلطة، وحاجتها إلى تنمية إصلاحية اقتصادية فعلية لا خطابية، وهي مكمن ضعف الرئيس الذي لم يستطع أن يبادر بالإصلاح في مجد قوته ورصيده السياسي، ومن الصعب عليه اليوم الوعد بذلك وقد بدأ يفقد هذا الرصيد باعترافه عندما قال إن الله هو من سيحاسب الفاسدين لا هو.
وأما على صعيد الانتخابات المحلية، التي ليس من المستبعد أن تترافق بأعمال عنف، فمن المتوقع أن ترفع المعارضة الإسلامية من رصيدها، وأن يفرض الحزب الاشتراكي نفسه بقوة في بعض المحافظات الجنوبية.
وعلى الرغم من كثرة الطعون المتوقعة في الانتخابات، إلا أن من المتوقع أن تقر النتيجة، فالمعارضة باتت تعي أن الديمقراطية لن تأتي دفعة واحدة، وهي مرشحة للاقتناع بانتصار أعرج تقلص فيه من هيبة الحزب الحاكم في هذه المرحلة، وتفقد الرئيس حلمه في توريث ابنه، للدرجة التي قد تدفعه للتنحي قبل انتهاء ولايته المقبلة.