دراسة حول القيادة المركزية للقاعدة
2008-04-14
2008-04-14
هل لا تزال القيادة المركزية للقاعدة مترابطة ؟
ترجمة صادق أبو السعود
مركز القدس للدراسات السياسية
مركز القدس للدراسات السياسية
واصل المسئولون الحكوميون والعديد من الباحثين والمحللين مناقشة مدى الترابط الذي يمكن لا تزال عليه القيادة المركزية لتنظيم القاعدة في إطار المعركة المستمرة حتى اليوم ضد الإرهاب. وبعد قضاء القوات الأمريكية على الملاذ الآمن للقاعدة في أفغانستان في أواخر عام 2001، تحدث الكثيرون أن القاعدة قد تحولت إلى منظمة لامركزية مع القليل من التنظيم العمودي الهرمي، وأنها أصبحت "شكل من أشكال الايدولوجيا أكثر منها منظمة". وحسب تعبير أحد المحللين، فإن القاعدة اليوم تعتبر" جماعة إرهابية مجزأة تتألف من مجموعة من الهاربين الذين يعيشون في كهوف أفغانستان." إن هذا الوصف قد يكون صحيحا في الأشهر التي تلت الإطاحة بحركة طالبان، ولكن يمكن القول أن المفهوم القائم على أساس أن قيادة القاعدة المركزية مبعثرة وغير فعالة قد تمت المبالغة فيه على مدى السنوات العديدة الماضية. فالكثير من المحللين لجئوا إلى المبالغة في القدرات التي يحتاجها قادة الجماعة الإرهابية للبقاء بصورة متماسكة، وهكذا تم إغفال الحقيقة أنه حتى في فترة الحضيض التي مرت بها الجماعة الممتدة من 2002- 2004 كانت قيادة القاعدة قادرة على وضع المخططات الإرهابية الإقليمية والإيعاز بتنفيذها. والآن ومع اكتساب القاعدة الملجأ الآمن في المناطق القبلية من باكستان، فان قوة المنظمة وتماسكها أصبحت أكثر من ذي قبل. واليوم فإن المرونة التي تتمتع بها الشبكات المركزية للقاعدة هي العدو الإرهابي الأخطر الذي يواجه الولايات المتحدة، والتي تسعى إلى تطوير قدراتها التدميرية وهي على خلاف حزب الله في ذلك، فقد أظهرت رغبتها في تنفيذ هجمات للقتل الجماعي في داخل الولايات المتحدة.
المحللون أمثال جيسون بورك ، وهو مراسل " لندن اوبزيرفر " وصاحب كتاب القاعدة: القصة الحقيقة للإسلام المتطرف، وكذلك المحلل بيتر زايهن واللذان مالا إلى التقليل من أهمية القيادة المركزية للقاعدة ويرجع ذلك جزئيا إلى أنهم لم يغاليان في ما تحتاجه تلك القيادة لتبقى متماسكة، حتى لو كان دور القيادة المركزية ينحصر في الربط بين مفاصل الشبكات الإرهابية، والمتعلقة باقتران مهارات المجموعات، والتمويل، والمشاركون، وهي يمكن أن تحدث تحولا في الجماعات الإرهابية المبعثرة جراء المشاكل الإقليمية إلى خصوم متماسكين وقادرين على تهديد المجتمعات الغربية.
يعتبر المحللون أن مركزية الشبكات الإرهابية تكون عندما تمارس القيادة الرئيسية مبدأ السيطرة على الشبكات، واتخاذ القرارات التنفيذية، وتوجيه فكرها العقائدي. إن عملية وضع وتصفية القرارات من القمة إلى القاع ومستويات تلك القرارات لا يختلطان: حيث لا يوجد فصل واضح في التعامل بين المستوى القيادي وبين العاملين من ذوي المراتب الدنيا، فالقيادة المركزية تنظم الارهابيين ذوي المهارات المحددة ضمن مجموعات في مختلف المناطق، ومهمات للخلايا الأصغر، وتعمل على توفير المالية واللوجستية. والمثال الرئيسي على مثل تلك الهيكلية المركزية لتنظيم القاعدة كانت قبل تنفيذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والتي كانت تتمتع بوجود القائد الأعلى ـ اسامة بن لادن ـ ومجلس الشورى، واللجان المختلفة، ومجموعة من الكوادر المساعدة المسئولة عن المناطق او الخلايا، ومع ذلك يفترض العديد من المحللين أن شباب القاعدة يمكن لهم توفير العناصر التي تدفعهم للتطرف بواسطة الانترنت، ومعسكرات التدريب التي يمكن لها من تأمين العناصر الإرهابية الاكثر قدرة ، كما أن خريجي تلك المعسكرات استطاعوا تنفيذ الهجمات الأكثر فنكا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر والتي تمثلت بصورة واضحة في هجمات: بالي، مدريد، لندن، شرم الشيخ وبومباي. وكان المسؤولون الامريكيين على درجة كبيرة من الحظ أن المجموعة التي كانت تخطط لمهاجمة مطار جون كينيدي في 2007، والخلية التي القي القبض عليها في ميامي في 2006 ، كانوا غير مدربين ويبدو أنهم كانوا يعملون بمعزل عن الشبكات الجهاديه العالمية.
وفي حين ان هناك مزايا واضحة لمركزية الجماعات الارهابية وتسلسلها الهرمي، إلا ان نظام اللامركزية يتيح لها بعض المزايا أيضا:فوكالات الاستخبارات وبيروقراطيتها تجد صعوبة في مواكبة الخلايا المقطوعة عن تسلسلها، والتي تبقى في حركة دائمة، مما يجعل ذلك من الإستحالة بمكان إستئصال كامل الشبكة التي تحمل صفة اللامركزية في بنائها الهرمي، كما أن المجموعات الإرهابية الإقليمية باستطاعتها العمل بصورة أكبر من التلقائية في ظل غياب الحاجة إلى تنسيق عملياتهم من خلال القنوات الهرمية، ولكن إجمالا فان الجماعات الارهابية المركزية تشكل تهديدا أكبر للولايات المتحدة. ويشير " مارك ساجمان " الاخصائي في الطب النفسي والذي سبق أن عمل لصالح وكالة المخابرات المركزية الامريكية إلى أنه لاحظ بأن العمليات الصغيرة "قد تكون مميتة ،" ولكنها " لن تؤدي الى مجزرة جماعية ، والتي تتطلب التنسيق، والمهارات، والموارد."
كيف هي مركزية القاعدة؟
يختلف المحللون بشأن مسألة مركزية تنظيم القاعدة، ففي نهاية هذا الطيف الواسع من المحللين يقف هناك أناس مثل "جيسون بيرك " الذي يطرح وجهة النظر التي تقول بأن القاعدة قد تدهورت الى حد كبير منذ ان فقدت الملاذ الآمن في افغانستان، ويدعي بورك أن "اقرب شيء الى' القاعدة 'وحسب ما هو مفهمو شعبيا كانت موجودة لفترة قصيرة بين عامي 1996 و 2001، وكانت قاعدتها موجودة في أفغانستان، وما شاهدته في تورا بورا كان بمثابة المشاهد الأخيرة لتدميرها، وما لدينا في الوقت الراهن هو تشكيلة واسعة ومتنوعة من الحركات الاسلامية المقاتلة ذات التوجهات المتطرفة ".
يتحدث بورك بأنه كان هناك ثلاثة عناصر تمتع بها تنظيم القاعدة خلال الفترة من 1996 الى وهي2001 : " المجموعة المخلصة، وشبكة المجموعات المختارة، والأيديولوجيا." ويقول ان " مجموعات القاعدة المخلصة " تتألف من مساعدي بن لادن الذين مضى على عضويتهم وتأييدهم أمد طويل، وربما أيضا ينضم اليهم حوالي 100 من الارهابيين البارزين في العالم، والذين يعملون مع بعضهم البعض بصورة وثيقة والذين تركوا أحيانا ملاجئهم الآمنة لتنفيذ العمليات، ولكنهم أيضا لم يوافقوا دائما على المنهج الايديولوجي او التكتيكات المتبعة. أما المجموعات المختارة يقول عنها بورك بانها كانت تتألف من " مساعدي القاعدة " والذين "عملوا كحلقات ربط بين' مجموعات القاعدة المخلصة 'والبقية الساحقه من أعضاء الحركة الحديثة غير المتبلورة للاسلام المتطرف". ويقول بورك بأنه مع الغزو الأمريكي لأفغانستان، فقد تمت هزيمة كل من المجموعتين المخلصة والمختارة وتناثروا في العديد من المناطق، وما بقي اليوم فقط هي الايدولوجيا، " نحن اليوم نمر فيما بعد مرحلة أسامة بن لادن للنضال الإسلامي" والتي تعني بأن الانضمام للقاعدة هي مسالة أيديولوجية وليس أكثر من ذلك، هذا هو التقييم الذي وصل إليه " جيرارد بوست " مؤسس ومدير مركز وكالة المخابرات المركزية لتحليل الشخصية، وكما يقول ستراتفور بيتر زيهان فان وجهة النظر هذه استمرت طويلا في 2007:
سنستمع إلى العشرات من تنظيم " القاعدة " في السنوات القادمة، ولحسن الحظ ، فإن الصلات بين هذه المجموعات الجديدة ومسئوليهم السابقين ستبقى محصورة بأغلبها من خلال الخطابات فقط، وقد يكون هناك بضعة آلاف من الناس يدعون عضويتهم بالقاعدة ولكن في الحقيقة أن تنظيم القاعدة لا يمارس أية سيطرة عليهم. كما أنهم ليسوا منسقين في عملياتهم أو حتى العمل من أجل تحقيق هدف مشترك، ولئن كان الكثير من هذا الجيل الجديد للقاعدة مؤهل للعمل ضمن المجموعات المقاتلة، إلا إنهم يفتقرون إلى المزيج المكون من الرؤيا الإستراتيجية والهاجس الأمني الذي سمح للقاعدة في نهاية المطاف الانتقال للجبال ... والولايات المتحدة الآن تشن حربا ضد الجهاد بوصفه ظاهرة وليس ضد أي حركة جهادية بعينها.
وفي الطرف الآخر من هذا الطيف يقف المحلل بيتر بيرغن، وهو مؤلف لكتابين عن بن لادن وشبكته الإرهابية، ويتحدث بيرغن عن إعادة القاعدة لتجميع نفسها في المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان، وإنشائها لمعسكرات جديدة للتدريب في باكستان في المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية. كما أن الحملة الدعائية لتنظيم القاعدة آخذة بالتوسع، خصوصا فيما يتعلق بالانتماءات الإقليمية للجماعات الإرهابية، فعلى سبيل المثال فإن الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر قد غيرت مؤخرا اسمها إلى القاعدة في المغرب الإسلامي وذلك في إشارة منها إلى اندماجها مع الشبكة العالمية للقاعدة. ومنذ كانون الثاني / يناير 2005، هناك حوالي الأربعين منظمة مختلفة في العديد من البلدان وتشمل أفغانستان، مصر، العراق، لبنان، المغرب، باكستان، المملكة العربية السعودية، سوريا ، واليمن "قد اعلنت عن تشكيلها وتعهدها بالولاء لأسامة بن لادن، والقاعدة، وأهدافهما الإستراتيجية". وبينما يشير تقرير الاستخبارات الوطنية الصادر في نيسان/ ابريل 2006, " بأن الحركة الجهادية العالمية أصبحت لا مركزية، وتفتقر إلى تماسكها الاستراتيجي، وأصبحت أكثر عمومية، وفي تقرير الاستخبارات الوطنية الصادر في تموز/يوليو 2007 تشير التقديرات إلى ما يؤيد الرأي القائل بأن القاعدة" قد حمت أو جددت العناصر الرئيسية لقدرتها على الهجوم".
النقاش الدائر داخل القاعدة يتمحور حول مستقبل الجماعة، وهو في اغلبه يفضل وجود قيادة مركزية قوية، وابومصعب السوري وهو احد أكثر الجهاديين العقائديين شهرة، والذي ناقش على مدار السنوات الاخيرة وكافح مع وجود النموذج اللامركزي، في المقابل هناك ابو بكر ناجي وهو ايضا احد الجهاديين العقائديين دعا الى المزيد من نموذج المركزية.
ابو مصعب السوري وفي بيانه المؤلف من 1600 صفحة في دعوته إلى الجهاد الاسلامي الدولي، قال بأن المركزية والتنظيم الجهادي الهرمي لا يمكنه التغلب على الولايات المتحدة، وبأن التعاون في مجال الامن الاقليمي - مثل التحالف بين واشنطن واسلام اباد – يجعل من الشكل الهرمي هيكلية خطرة، ويشير الى أن اللامركزية تحصن الخلايا الارهابية من كشف امرها من خلال إعتقال بعض الخلايا واستجواب افرادها، وبالنسبة لأبو مصعب السوري فإن نموذج اللامركزية يعني استبدال نموذج المعسكر القديم للتدريب بنموذج آخر يتدرب فيه المقاتلون في " بيوت ومعسكرات متنقلة".
ابو مصعب السوري وفي بيانه المؤلف من 1600 صفحة في دعوته إلى الجهاد الاسلامي الدولي، قال بأن المركزية والتنظيم الجهادي الهرمي لا يمكنه التغلب على الولايات المتحدة، وبأن التعاون في مجال الامن الاقليمي - مثل التحالف بين واشنطن واسلام اباد – يجعل من الشكل الهرمي هيكلية خطرة، ويشير الى أن اللامركزية تحصن الخلايا الارهابية من كشف امرها من خلال إعتقال بعض الخلايا واستجواب افرادها، وبالنسبة لأبو مصعب السوري فإن نموذج اللامركزية يعني استبدال نموذج المعسكر القديم للتدريب بنموذج آخر يتدرب فيه المقاتلون في " بيوت ومعسكرات متنقلة".
وفي المقابل، يقف ابو بكر ناجي يقول بأن إدارة الفوضى والهمجية بمجرد سيطرة المجاهدين على إقليم من القاليم يتطلب إقامة جهاز للحكم لتطبيق أحكام الشريعة الاسلامية، وتوفير الأمن، والغذاء،والقيادة العليا من شأنها ضمان عدم تكرار تلك الجهود التي ليس لها داع، وسوف تضع الأولويات لإتخاذ الإجراءات المطلوبة ضد مختلف الجماعات او الامم. وتحدث ابو بكر ناجي عن القاعدة اليوم ونظامها الهرمي خصوصا أن القاعدة قد اكتسب ملاذات آمنة جديدة في باكستان.
الأدلة التاريخية
تفضيل قيادة القاعدة لنهج ابو بكر ناجي بدلا من نموذج أبو مصعب السوري يعكس الميل الطويل الأمد للمركزية، حيث قام أسامة بن لادن بتشكيل القاعدة في الاصل للمحافظة على طليعة الجهاد بالبقاء حية بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان. وقال انه حافظ على معسكرات التدريب في أفغانستان وباكستان وانشأ معسكرات جديدة للتدريب. وقامت القاعدة بتأسيس العلاقات مع الجماعات الإرهابية الأكثر تأسيسا وثباتا، وفي الوقت نفسه المحافظة على هيكلية المؤسسة. وقام مركز " ويست بوينت لمكافحة الإرهاب " بترجمة عدد من من وثائق القاعدة تم الاستيلاء عليها خلال الحملة على أفغانستان والعراق والتي كشفت عنها وزارة الدفاع الامركية بعد أن ازالت عنها طابعها السري من قاعدة بياناتها، وهذه الوثائق المترجمة للقاعدة والتي تعود إلى ايام وجود اسامة بن لادن في السودان قد بينت بوضوح الهيكلية الهرمية لتنظيم القاعدة، ففي إحدى الوثائق المعنونة " داخل المنظمة "يحدد فيها تنظيم القاعدة الهيكل الهرمي، بدءا من القائد، والمجلس الحاكم نزولا الى اللجان التنظيمية. وهو ما يفسر ان القائد لا بد ان يكون عضوا في القاعدة لمدة لا تقل عن سبع سنوات، ولديه ما يكفي من الفهم للشريعة الاسلامية والجهاد، "والخبرة العملية المتأتية من الجهاد "، ويليه نائب القائد والذي يجب ان يشترك في نفس المؤهلات التي يحملها القائد، والسكرتير الذي يعينه القائد، ومن ثم مجلس القيادة. وتتضمن الوثيقة أيضا وجود خمس لجان منفصلة : العسكرية، والسياسية، الادارة والمالية، والأمن، والمراقبة.
وفي وثائق اخرى تم الكشف عنها قد فصلت بوضوح الواجبات، والرواتب، وحتى أوقات العطل، وبالنسبة لغير المتزوجين من أعضاء التنظيم فهم مؤهلين للحصول على تذاكر سفر ذهابا وايابا الى بلدانهم بعد سنة، وهم أحرار في استخدامها بالذهاب للحج بدلا من الذهاب إلى أوطانهم، ويتضمن الطلب الذي يتوجب على العضو المتقدم للتدريب في معسكرات القاعدة أن يملأه معلومات عن المستوى التعليمي والخبرة المهنية والتاريخ الطبي لصاحب الطلب، ومقدار ما يحفظ من القرآن.
ورغم ان الولايات المتحدة في تدخلها العسكري في أفغانستان قد دمرت الملجأ الآمن لتنظيم القاعدة، إلا أن القيادة الأساسية للجماعة قد نجت، وفي هذا السياق كتب عبد الباري عطوان رئيس تحرير القدس العربي الصادرة في لندن، ربما تكون القوات الأمريكية " قد دمرت اكثر من 80 في المئة من القدرات العسكرية والبنى التحتية لتنظيم القاعدة " ولكن قيادة المجموعة الأساسية تمكنت من الفرار، والبعض منهم أمثال سيف العدل، سعد بن لادن، وسليمان ابو غيث فروا الى إيران، ولكن الأغلبية منهم انتقلت الى باكستان.
وبعد فترة وجيزة، اخذت نقاط ومفاصل القاعدة الإقلمية زمام المبادرة في تنفيذ العمليات، ففي الثامن من تشرين الاول/اكتوبر 2002، فتح اثنان من الكويتيين المرتبطين بالقاعدة النار على مشاة البحرية الامريكية مما ادى الى مقتل واحد منهم. وبعد ذلك، وفي 12 تشرين الأول / أكتوبر، قامت الجماعة الاسلامية في اندونيسيا بقتل 202 شخص في تفجير الملهى الليلي في بالي. وفي 23 تشرين الاول / اكتوبر، استولى الارهابيون الشيشان على مسرح موسكو والذي كان يضم 850 شخصا. وفي الأول من آذار / مارس 2003 تم القاء القبض على خالد الشيخ محمد وهو القائد الرئيسي للعمليات في تنظيم القاعدة والمهندس الرئيسي لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهو الأمر الذي شكل نكسة لتأكيد القاعدة على منهجية القيادة المركزية للقاعدة. واستمرت الهجمات الإقليمية على مدار السنة التالية، ففي الحادي عشر من آذار/مارس 2004، تم تنفيذ هجوم على القطارات في العاصمة الاسبانية مدريد والتي قتلت ما يقارب من 200 شخص، وأطاحت بفرص إعادة انتخاب رئيس الوزراء الاسباني خوسيه ماريا ازنار، وفي اوائل أيلول / سبتمبر 2004، قتل 300 من المدنيين على يد الارهابيين الشيشان بما فيهم 180 طفلا، في جنوب مدينة بيسلان الروسية، وفي السابع من تموز/ يوليو 2005، قام اربعة من الباكستانيين المسلمين المولودين في بريطانيا بتفجير انفسهم في نظام النقل العام البريطاني في ساعة الذروة، مما ادى الى مقتل اثنين وخمسين.
مع الاستفادة من وقوع هذه الهجمات، فمن الواضح انه في هذه الفترة قد قللت وسائل والمحللين والمعلقين من المدى الذي ظلت فيه قيادة القاعدة المركزية قادرة على تنظيم الهجمات الإرهابية. ومع ان قيادة القاعدة هي التي صاغت ورسمت لهجمات مدريد، إلا ان نقاطها ومفاصلها الإقليمية هي التي قامت بالتنفيذ: واستطاعت الشرطة الاسبانية من العثور على الهاتف النقال الذي استخدم كأداة للتفجير والذي يعود للمغربي" جمال زوجام " الذي يملك متجرا للهواتف الخلوية " النقالة " في مدريد، وقد رصدت السلطات الاسبانية مكالمة هاتفية بين جمال زوجام وعماد الدين بركات يركوس وهو رئيس القاعدة في اسبانيا والمسجون حاليا هناك. وقال جمال زوجام بأن محمد فيزازي هو القائد الروحي للخلية المغربية المتطرفة للجهاد السلفي وقد ادين لدوره في هجمات الدار البيضاء الانتحارية التي جرت في 2003 وتلقيه للمساعدات المالية، كما قام جمال زوجام بزيارة الملا كاريكار الكردي العراقي المقيم في النرويج والذي أسس منظمة أنصار الاسلام الارهابية، وبالنسبة لقائد خلية مدريد سرحان عبد المجيد فاخت فقد كان على علاقة ودية مع احد كبار قادة القاعدة عامر عزيزي، ولكن الصلة الأبرز في هذا الصدد هي الحقيقة القائلة بأن مركز خدمات المجاهدين التابع للقاعدة هو عبارة عن إطار داخلي " لمجلس الخبراء " وسليل مكتب الخدمات والذي تشكل كمنظمة غير حكومية في منتصف الثمانينات من القرن الماضي لتقديم الخدمات خلال الحرب السوفيتية الأفغانية وكان هذا المكتب يقف وراء الاستراتيجية السياسية للاعتداء. وقد تشكل مكتب خدمات المجاهدين لتقديم نفس الخدمات للمجاهدين العراقيين وهي نفس الخدمات التي قدمها المكتب للمقاتلين الأفغان، كما قام المكتب بنشر كتاب بعنوان " عراق الجهاد " والذي خلص إلى أن " الحكومة الإسبانية لن تتحمل هجمتين او ثلاث " وذهب الكتاب الى القول بأن تنسيق الاعتداء الإرهابي يمكن ان يغير من موقف الجمهور الإسباني ويجبر الحكومة على الانسحاب.
كما ان القيادة العليا لتنظيم القاعدة لعبت دورا حاسما في هجمات لندن في السابع من تموز / يوليو 2005 والتي استهدفت نظام النقل العام هناك. وتجدر الإشارة إلى أن تقارير الشرطة البريطانية كانت مترددة في ربط الانتحاريين بتنظيم القاعدة، حيث كان الإعتقاد بأنها خلية ارهابية مستقلة تعمل بصور ذاتية، ولكن البيان الرسمي لهجمات7-7 كان بمثابة الصدمة للصحافة البريطانية، وأشار بعض محللي الارهاب أمثال " دان دارلينج، و ستيف استشيبرت " إلى المشاكل المرتبطة بالاستنتاج المبكر المتعلق بصلة شبكة القاعدة بالخلية التي نفذت هجمات لندن، حيث أشاروا أولا إلى الإتصالات بين زعيم الخلية محمد صديقي خان ورضوان عصام الدين العقل المدبر لهجمات بالي . محمد جنيد بابار باكستاني الجنسية يعيش في كوينز، نيويورك ، والذي وجد مذنبا امام المحكمة الاتحادية بتهمة تهريب الامدادات لتنظيم القاعدة، وتقديم المساعدة للذين قاموا بتفجيرات لندن، والذي حدد بان محمد صديقي خان كشخص التقاه في معسكر تدريب للقاعدة في باكستان . وهارون رشيد أسوات كان من الذين ساعدوا في إنشاء معسكر تدريبي للقاعدة في ولاية اوريغون الامريكية، وقد قام بالاتصال بالذين نفذوا بتفجيرات لندن قبل ساعات من التنفيذ، وبعد الهجوم ظهر محمد صديقي خان وزميله في التفجير شاهزاد تنوير بشريط مصور بثتهوالذي تضمن الثناء والمديح للهجمات من أسامة بن لادن ونائبه أيمن الظواهري، بالإضافة الى رسالة الانتحاري محمد صديقي خان. ويبدو من المستبعد جدا أن القيادة العليا لتنظيم القاعدة كانت بعيدة عن هذه اللقطات وأنها غير مرتبطة بهذا الهجوم. وللتأكيد على هذه النقطة قامت قناة الجزيرة الفضائية ببث شريط فيديو للظواهري بعد مرور عام على التفجيرات مدعيا فيه أن محمد صديقي خان وشاهزاد تنوير قد زارا معسكر القاعدة " طالبين الشهادة ". وفي هذا السياق علق الخبير الامني في مجلس الخبراء التابع ل" تشاتام هاوس " إن ما جرى جعل من الشرطة تبدو بصورة سيئة جدا، وذلك يعني إما أن وسائل التحقيق كانت خاطئة، وإما أن الشرطة استطاعت تحديد الصلات ولكنها كانت مترددة في الكشف عنها.
الصلات القائمة بين القيادة العليا للقاعدة والهجمات التى وقعت فى لندن ومدريد تثبت ان القيادة العليا للجماعة لم تكن معزولة، وعديمة التواصل في هذه الفترة كما أشار البعض، وهي بذلك ستكتسب المزيد من القوة مع مرور الزمن.
قيادة القاعدة تتجمع من جديد
بعد الانتقال من أفغانستان الى باكستان، وضعت القيادة العليا لتنظيم القاعدة نصب اعينها هدف تجديد عملياتها. وفي هذا الإطار كان لهم محاولتان، المحاولة الأولى جرت في كانون الاول / ديسمبر 2003، لقتل الرئيس الباكستاني برويز مشرف، والتي قادته إلى إرسال القوات العسكرية الى المناطق القبلية في باكستان. حيث استطاعت القاعدة والقبائل المتحالفة معها أن تنتصر في هذه الحرب.
خلصت لجنة الحادي عشر من سبتمبر الى ان القيام بالأعمال الكارثية للارهاب، فغن الجماعات الإرهابية تحتاج إلى ملاجئ آمنة توفر لهم " الوقت، والمجال، والقدرة على التخطيط وطاقم العمل المؤهل " فضلا عن "الفرص والمجال للتجنيد، والتدريب، واختيار العاملين المتفانين وذوي المهارات المطلوبة ". وقد استطاعت القاعدة من كسب هذا في باكستان مع توقيع معاهدة جنوب وزيرستان وفيما بعد شمال وزيرستان، والتي كانت علامة على هزيمة الرئيس مشرف العسكرية في حملته التي استهدفت المناطق القبلية. واشترطت المعاهدتان عدم قيام الجيش الباكستاني بتنفيذ هجمات جوية او برية في المناطق القبلية، وتضمنت كذلك تعهد إسلام اباد بحل شبكة الاستخبارات هناك، وفي الواقع، فإن الرئيس مشرف بهذه الاتفاقيات قد منح القاعدة الملجا الآمن الذي تبحث عنه، ومنذ ذلك الحين فقد تم التوقيع على 3 اتفاقيات مماثلة: مع منطقة باجور في آذار 2007، وبعد ذلك بشهرين مع اسوات، وأخيرا مع وكالة مهمند في آب 2007. ومع تطبيق هذه الاتفاقيات شهدت الولايات المتحدة تدفقا للاموال ولاعضاء القاعدة الى المناطق القبلية. وفي شريط فيديو صور مؤخرا في معسكر للتدريب في باكستان يظهر الشريط تخريج نحو 300 من المجندين الجدد للعمليات الانتحارية، والبعض منهم قد يتوجه للولايات المتحدة واوروبا.
وبالفعل شكل الملاذ الآمن الذي توفر للقاعدة وحركة طالبان في المقاطعة الشمالية الغربية الحدودية إمكانية انبعاثهما من جديد، حيث إرتفعت على الفور تقريبا هجمات طالبان في أفغانستان بعد أن تحققت اتفاقيات وزيرستان، علاوة على ذلك فان الخطة التي كشف عنها في العاشر من آب / أغسطس ، 2006 لتدمير عشر طائرات فوق المحيط الاطلسي بواسطة متفجرات سائلة تعتبر مؤشرا على ظهور وعودة القيادة العليا لتنظيم القاعدة في ملجئها الآمن في باكستان، على الرغم من ان بعض التقارير الأولية تتردد في ربط الخطة بالقيادة العليا لتنظيم القاعدة، ولكن الأدلة الموجودة لا تترك مجالا للشك بمسئولية القاعدة حول ذلك المخطط. واكدت المصادر الامنية الباكستانية ان المخطط المذكور هو من إنتاج " القمة الهرمية " لتنظيم القاعدة. وذكرت التقارير المنشورة بأن احد كبار العاملين في القاعدة المدعو متين الرحمن قام " بتوجيه مخطط بريطانيا الارهابي من باكستان "، ويعتقد المسئولون ان المشبوهين الذين تم تم التعرف اليهما ضمن المخطط قد التقياه في باكستان وتسلما منه فيما بعد حوالة مالية من باكستان لشراء تذاكر السفر للانتحاريين، وتم توجيه الاتهام لهما بتنفيذ المخطط عبر الاطلسي عبر التدريب في معسكرات القاعدة في باكستان. وأشار " بي رامان " مدير معهد الدراسات الموضوعية في " تشيناي "، الهند، ورئيس سابق لشعبة مكافحة الارهاب في الهند التابعة لوكالة الاستخبارات الخارجية، إلى أن هناك حوالي " ثمانية عشر شخصا من اصل باكستاني اعتقلتهم الشرطة البريطانية بصدد التحقيق في سفرهم الى باكستان بعد الزلزال الذي وقع في تشرين الاول / اكتوبر، 2005 "للتطوع في الجهود الانسانية، ولكن في أثناء وجودهم في مخيمات الاغاثه،" تم أخذهم من قبل منظمة جند الله وهي منظمة باكستانية جهادية ارهابية وهي مقربة من تنظيم القاعدة الى معسكرات التدريب في منطقة وزيرستان في المناطق القبلية الخاضعة للادارة الاتحادية الباكستانية". إن حجم المؤامرة وعدد المشاركين فيها حيث تتراواح تقديراتهم ما بين 50 إلى 150 تظهران أنها تتجاوز قدرة الخلايا المحلية على تنظيم مثل هذا العمل دون الحصول على المساعدة الخارجية.
ومع تعقيدات المشكلة المترتبة عن حصول القاعدة على الملجأ الآمن في باكستان، ويمكن للجماعة أيضا الحصول على المزيد من الملاجئ الآمنة في العراق والصومال. وفي العام الماضي سيطرت المحاكم الاسلامية على معظم أنحاء الصومال علما ان المحاكم جماعة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالقاعدة، وكان لبروز المحاكم الأثر الكبير في اجتذاب جحافل المقاتلين الأجانب ، وكذلك الأموال من مستثمري القاعدة، الأمر الذي قاد بعض المحللين الى الاعتقاد والخوف بأن ما يجري هو محاكاة لافغانستان جديدة توفر الملاذ الآمن للقاعدة. إن المعسكرات الصومالية ربما هي 17 في مجملها، وقد استضافت طائفة من المجاهدين القادمين من أفغانستان، والشيشان، والعراق، والباكستان، وشبه الجزيرة العربية. وعلى الرغم من التدخل الأثيوبي الذي بدأ في كانون الاول / ديسمبر 2006 ودفعت الى الخلف الكثير من انجازات المحاكم الاسلامية، إلا ان المحاكم ومنذ ذلك الحين أطلقت إمكانيات التمرد.
القيادة العليا للقاعدة ترى ايضا العراق كعنصر حاسم في ميدان المعركة. وقد أشار مايكل هايدن مدير وكالة المخابرات المركزية، من أن فشل الولايات المتحدة هناك سوف يخلق" ملاذا آمنا " للقاعدة حيث يمكنها " أن تخطط وتوجه الهجمات ضد الغرب ". وعندما قتلت الولايات المتحدة والقوات العراقية في أواخر 2007 ممول القاعدة المعروف باسم " مثنى " كشفوا قدرا كبيرا من المعلومات والوثائق والملفات الالكترونية عن البنية التحتية للقاعدة في العراق. ومن ضمن المعلومات التي اكتشفوها قائمة " تحتوي على 500 شخص من الارهابيين الأجانب قامت القاعدة بتجنيدهم " وسير ذاتية تعود إلى 143 من مقاتلي القاعدة في طريقهم الى العراق من بلدان مثل الجزائر، بلجيكا، مصر، فرنسا، الاردن، ليبيا، المغرب، عمان، المملكة العربية السعودية، سوريا ، تونس ، المملكة المتحدة ، واليمن. والوقت نفسه تقريبا، اعتقل الجيش الامريكي رجلا في بغداد والذي إدعى بأنه تلقى ما يقرب من 100 مليون دولار من المتعاطفين في الخارج لتمويل عمليات تنظيم القاعدة. وهذه الحوادث تدلل بشكل واضح على طبيعة البنية التحتية للقاعدة في العراق.
الخاتمة
أعلن المحللون هزيمة القيادة المركزية للقاعدة قبل ان تتلقى الأخيرة ضربتها المميتة. فنقاط ومفاصل القاعدة الإقليمية وطموحات المجندين الجدد خطت بالتنظيم الى الأمام، وفي الوقت نفسه، عملت القيادة المركزية على أكتساب السيطرة على الأرض ـ وتعزيز الفكرة في أن القيادة العليا للتنظيم كانت مهمشة وغير مترابطة ـ وحتى في ذلك الوقت، فإن المغالطة في هذا الراي كان ينبغي أن تكون واضحة: وكما أشار بيرغن الى " أن وجود مقلدي القاعدة لا يثبت تقادم الشيء الحقيقي". والآن، ومع تمتع نهج القاعدة بالحيوية التي كان عليها قبيل هجمات الحادي عشر من سبتمبر، إلا أن الكثير من المحللين لا زالوا فاقدين تركيزهم على الشبكة المركزية والبعض فقط تفهم كيف استطاعت القاعدة ان تستعيد قوتها بعد خسارتها في أفغانستان.
وحتى مع قيادتها الهاربة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بقيت نقاط ومفاصل القاعدة الاقليمية قادرة على تنفيذ عدد من العمليات الميتة، ومع وجود الملجأ الآمن الجديد لقيادة القاعدة في باكستان فضلا عن العديد من الجبهات المفتوحة، سيكون في إمكان القاعدة تنظيم العديد من الهجمات الارهابية الفضيعة في المستقبل
وهناك العديد من الدلائل الخارجية على عودة القاعدة، بما في ذلك ازدياد فعالية عملياتها الإعلامية. وفي هذا السياق قامت " السحاب " وهي الجناح الإعلامي للقاعدة بتوزيع 58 شريط فيديو في 2006، وبينما ستبقى نقاط ومفاصل القاعدة الإقليمية كقوات إرهابية في حد ذاتها، ففي الواقع فان القيادة العليا للتنظيم قد عادت ومن المرجح أن تلعب دورا أكبر في المستقبل اثناء وتنفيذ الهجمات التي تتجاوز هجمات الحادي عشر من سبتمبر. إن وجود القيادة المركزية القوية سيجعل من هذه الجماعة قادرة على تنفيذ الهجمات الاشد فتكا وهولا، كما أن رفض واستبعاد الدليل بان قيادة القاعدة قد أعادت تجميع نفسها من شأنه في نهاية المطاف أن يعرض أمن الولايات المتحدة للخطر.
الاراء المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي مركز القدس للدراسات السياسية
حقوق النشر محفوظة@ مركز القدس للدراسات السياسية. كل الحقوق محفوظة
حقوق النشر محفوظة@ مركز القدس للدراسات السياسية. كل الحقوق محفوظة
